Shadow Shadow
العلاج بالإبداع وتجربة العراق بـ’العيادة المسرحية وفريق التأهيل بالفن’

رشا رحيم

باحثة عراقية، حاصلة على شهادة الدكتوراه في العلوم الطبية من جامعة ساوث كارولينا الأميركية

العلاج بالإبداع وتجربة العراق بـ’العيادة المسرحية وفريق التأهيل بالفن’

2022.11.30 - 16:57

رشا رحيم

بغداد - ناس

يعتمد استخدام الأساليب الفنية في علاج الاضطرابات النفسية وتعزيز الصحة العقلية على فكرة أن التعبير الإبداعي يمكن أن يعزز الشفاء والرفاهية العقلية.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

وقد اعتمد البشر منذ آلاف السنينعلى الفنون للتواصل والتعبير عن الذات والشفاء[1]، لكن الانطلاق كبرنامج ‏معترف به كان فيأربعينيات القرن الماضي حينما لاحظ الأطباء أن الأشخاص الذين يعانون من مرض عقلي غالبًا ما يعبرون عن أنفسهم في الرسومات والأعمال الفنية الأخرى[2].

 

ملاحظة الأطباء دفعت الكثيرين إلىاستخدام الفن كاستراتيجية علاجية[3]، ومنذ ذلك الحين، أصبح الفن جزءًا مهمًا من المجال العلاجي ويستخدم في بعض تقنيات التقييم والعلاج.

 

وفقًا لدراسة أجريت عام 2016 ونُشرت في مجلةAmerican Art Therapy Association ، فإن أقل من ساعة من النشاط الإبداعي يمكن أن يقلل من إجهادك ويكون له تأثير إيجابي على صحتك العقلية، بغض النظر عن الخبرة الفنية أو الموهبة أو المكان الذي تمارس فيه العمل الابداعي[4].

 

أنواع العلاجات الإبداعية[5]

هنالك الكثير من الفنون الإبداعية المستخدمة في علاج الأمراض النفسي  وتشمل:

العلاج بالفن (الرسم والنحت والتصويرومشتقاتها)

العلاج بالرقص

العلاج بالدراما

العلاج التعبيري

العلاج بالموسيقى

العلاج بالكتابة

 

العلاج بالدراما: تقنياته، الفئات المستفيدة، وآلية عمله[6]

 

يتخذ العلاج بالدراما أسلوباً فريداً باستخدام الدراما (و/أو) تقنيات المسرح بما في ذلك: الارتجال ولعب الأدوار(تمارين الدراما) واستخدام الدمى وتمثيل القصص أو السرد القصصي، والألعاب المسرحية، وهو شكل فاعل وتجريبي من العلاج الإبداعي الذي يساعد على اكتساب الثقة بالنفس واستكشاف مهارات جديدة لحل المشكلات.

 

يجمع العلاج بالدراما بين أساليب الدراما والعلاج النفسي لتقديم طرق جديدة للتعبير عما تفكر فيه أو تشعر به من أجل التعامل بشكل أكثر فعالية مع المشكلات السلوكية والعاطفية.

 

وقد ثبت أن العلاج بالدراما فعال لأغلب الشرائح العمرية للناس وبالذات الفئات التالية:  

 

1/ الناجون من التعاطي والمتعافون من الإدمان

2/ ذوي الهمم

3/ المشردون

4/ كبار السن

5/ المصابون بالإيدز

6/ الأشخاص الذين يعانون من مشاكل الصحة السلوكية

7/ نزلاء السجون

  

أما آلية مساعدة هؤلاء الأشخاص بالعلاج بالدراما فتكون عن طريق6 :  

 

1/ انه يقلل من الشعور بالعزلة حيث التفاعل مع الآخرين في بيئة آمنة ومريحة يؤدي إلىالاندماج والخروج من طوق العزلة النفسية التي يفرضها الشخص على نفسه.

2/ يحمل رسائل مباشرة أو غير مباشرة لحل المشاكل.

3/ وسيلة غير مباشرة للتعبير عنشعورهوفهم نفسه وتجاربه بشكل أكثر وضوحًا.

4/ تحسين احترام الذات وتقديرها.

5/ التواصل بشكل أفضل مع الآخرينمن خلال توسيع نطاق التعبير عن المشاعر.

6/ تحديد أهداف ذاتية للشخص و تطوير مهارات التأقلم في المنزل و/ أو المدرسة و/ أو العمل.

7/ استخدم الإبداع والخيال واللعب للتدريب على الرد في المواقف الصعبة ومعالجة المشاكل بسرعة.

8/ الهروب من ضغوط الحياة إلى الخيال لفترة قصيرة.

 

العراق والتأهيل بالفن -تجربة العيادة المسرحية[7]

من أولى التجارب التي تتعلق بالعلاج بالفن والمسرح خصوصا هي تجربة الدكتور جبار حماد خماط الأستاذ المساعد في كلية الفنون الجميلة- جامعة بغداد ومؤسس العيادة المسرحية وهو أيضا مدرب تنمية بشرية.

 

بدأ خمّاطب مسيرة العيادة المسرحية منذ عام 2008 عندما تبلورت فكرة العيادة المسرحية والتأهيل الإيجابي للذات، وعلى عكس النظريات النفسية التي تتحرى الماضي لتحسين المستقبل، اعتمدت العيادة المسرحية في أولى تجاربها عام 2008 على مصطلح "العلاج بالمستقبل".

 

تم تطبيق "العلاج بالمستقبل" أول مرة في سجن الأحداث حينما أطلق مشروع مسرح الأحداث في منطقة الجعيفر لإعادة بناء الذات المنكسرة بسبب الحروب والأزمات، حيث قدم الأحداث بعد ثلاثة أشهر من التدريب، عرضاً مسرحياً أشادت به إدارات السجن ووزارة العمل.

 

وثق الدكتور جبار خماط قدرة العيادة على تغيير نظرة النزلاء وتقديرهم الذاتي لأنفسهم، ويمكن أيضاً الحديث عن تحسين نظرة الآخرين للأحداث، حين تمت معاملتهم كمبدعين لا مجرد نزلاء.

 

عام 2014 كانت بداية إطلاق مصطلح "العيادة المسرحية والتأهيل الإيجابي" على مشروع العلاج النفسي بالمسرح، وعام 2017، تم إجراء تجربة لـ "تأهيل المدمنين بالمسرح" في مستشفى ابن رشد.

 

تم اكتشاف ودراسة اللغة والتدريب على الصوت ثم تعلم مهارات المشي حتى الوصول إلى تقنية "كرسي البوح" والتي تمثل "شباك أمل إلى المستقبل"، وقد سرد المدمنون أمنياتهم الإيجابية التي تعتبر من أهداف العيادة المسرحية لاكتشاف جوهر الذات النفيسة، ولاحقاً تحولت تلك الأمنيات إلى نصوص مسرحية.

 

في العام ذاته، تم العمل مع ضحايا مدينة حلبجة التي تعرضت للقصف الكيمياوي سنة 1988حيث لازال عدد من الناجين من الهجوم الكيمياوي يعيشون في عزلة مجتمعية وقد تم تدريب البعض منهم على مسرحية اسمها "أنا حي".

 

التأهيل الإيجابي بالفن لضحايا داعش

من أهم التجارب التي قامت بها "العيادة المسرحية" هي التأهيل الإيجابي بالفن لضحايا داعش والتي تبنتها مستشارية الأمن القومي متمثلة بـ "مركز التميز"، فقد وجهت المستشارية بضرورة تأهيل النازحين من ضحايا داعش والذين يحتاجون إلى تأهيل نفسي قبل العودة إلى مناطق سكناهم.

 

بحسب إحصائيات "مركز التميز" التابع لمستشاريه الأمن القومي، والخلية النفسية، فقد ازداد عدد العوائل الراغبة بالاندماج والعودة إلى مناطق سكناها بعدبدء نشاط فريق "التأهيل بالفن- العيادة المسرحية".

 

‏يمكن القول علمياًأن النازحين الذين سكنوا في مخيمات خارج العراق (كمخيم الهول) معزولون آيديولوجيا، وثقتهم بأنفسهم والآخرين مهزوزة، كما تلفّهم مشاعر الإحباط وانعدام الأمل.

 

يتضح كثير من ذلك عبر رسومات الأطفال والشباب، وقد ساعدت الحواراتالتي تجري معهم أثناء فعاليات التأهيل بالفن،على  كسر العزلة الإجبارية التي وضعوا أنفسهم بها، كما تم إعادة بلورة شخصياتهم وتفاعلهم مع الآخرين، إعادة الثقة بأنفسهم، وإعادة تقدير الذات والتعبير عن مشاعرهم بشكل أفضل وهذت نجده في الحوارات التي تفتح بعد أي عرض مسرحي معروض أمامهم.

 

كمثال على ذلك ، مادة مسرحية(ليش) التي قدمت في الجرعة الثانية . وهذه المسرحية مقتبسة من واقع الإحباط الذي يعيشه شباب المخيم بعد الحوار الذي اجري معهم في الجرعة الأولى. وتم الاعتماد على طرح مشكلتهم وصعوبة أوضاعهم التي منعتهم من إكمال دراستهم وتحقيق طموحهم كمحور للمسرحية. إن المسرحية قد صنعت مايُعرف بالصدمة أو عصفاً ذهنياً فتح مجالاً للحوار مع شباب المخيم بعد العرض وهو ما حقق هدف المسرحية بفتح ساحة حوار عن هموهم تم من خلالها ارسال رسائل امل بإمكانية تعويض الفرص وتحقيق الاحلام في مرحلة ما بعد الخيمة.

 

ان الاهتمام بالجانب النفسي ضعيف جدا في مجتمعنا، وإن انتشار حالات الانتحار والقتل والإدمان والابتزاز هو دليل على تفاقم المشكلة، وللأسف لا يعيالكثير من أفراد المجتمع، أهمية الاهتمام بالجانب النفسي ولا أدوات الترويح عن النفس أو حتى تقنياته.  والعلاج بالفن وأدواته من مسرح ورسم ونحت أو حتى الكتابة هو احد اهم الأدوات المعترف بها عالميا للاهتمام بالنفس للإنسان السوي وللعلاج النفسي.

 

المصادر:

[1]Van Lith T. Art therapy in mental health: A systematic review of approaches and practices. The Arts in Psychotherapy. 2016;47:9-22. doi:10.1016/j.aip.2015.09.003

 

[2]Junge MB. History of Art Therapy. The Wiley Handbook of Art Therapy. Published online November 6, 2015:7-16. doi:10.1002/9781118306543.ch1

 

[3]Farokhi M. Art therapy in humanistic psychiatry. Procedia - Social and Behavioral Sciences. 2011;30:2088-2092. doi:10.1016/j.sbspro.2011.10.406

 

[4]Kaimal G, Ray K, Muniz J. Reduction of cortisol levels and participants’ responses following art making. Art Therapy. 2016;33(2):74-80. doi:10.1080/07421656.2016.1166832

 

[5]Haen C, Nancy Boyd Webb. Creative Arts-Based Group Therapy with Adolescents: Theory and Practice. 1st ed. (Haen C, Webb NB, eds.). Routledge; 2019. doi:10.4324/9780203702000

 

[6]North American Drama Therapy Association. What is drama therapy?

 

[7]https://www.youtube.com/watch?v=YoP3r6XPPlM&t=4074s