Shadow Shadow

التيار الصدري.. الانسلاخ التدريجي عن الطبقة الحاكمة

2022.10.01 - 22:41

عقيل عباس

في يوم نجاح الإطار التنسيقي الأسبوع الماضي في عقد جلسة برلمانية اخيراً انتخب فيها نائب لرئيس البرلمان عن الإطار، صدرت تغريدة من حساب يُعتقد واسعاً انه يعود للسيد مقتدى الصدر هاجم فيها الطبقة السياسية العراقية واتهمها بالفساد وتضييع مصالح العراقيين.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

الجانب الأهم في التغريدة هي تكرار الصدر تعهده أنه لن يتحالف مع الفاسدين، في إشارة ضمنية إلى الإطار التنسيقي الذي دأب التيار الصدري على اتهامه بالفساد وأنه السبب الرئيسي وراء الفشل المريع الذي انحدر فيه العراق تدريجياً على مدى نحو 17 عاماِ من تصدر الإطار الحكومات المتتابعة تشكيلاً وقيادةً. ليس في خطاب الصدر هذا شيء جديد، إذ كرر التيار، عبر أقطابه المختلفين وزعيمه ومنصاته الإعلامية، فحوى هذا الخطاب في سياقات مختلفة على نحو متناسق تقريباً على مدى الاشهر العشرة الأخيرة بعد مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج انتخابات أكتوبر 2021، وشروعه بتشكيل حكومة الأغلبية التي باءت بالفشل بعد اشتراط المحكمة الاتحادية نصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية.

 

برغم التكرار، هذه الدعوة مهمة لأنها تؤكد أمراً آخر شديد الأهمية في هذه اللحظة السياسية العراقية الحالية وهي الانسلاخ التدريجي للتيار الصدري من الطبقة السياسية الشيعية التي حكمت البلاد منذ 2005 وذهابه إلى الشارع، وبالتالي لجوؤه المتصاعد إلى أدوات غير مؤسساتية للتأثير في السياسة. أصبح هذا الانسلاخ واضحاً بعد انسحاب التيار من البرلمان باستقالة الـ 73 نائباً صدرياً من المؤسسة التشريعية في مايو، وتأكد برفض التيار عروض العودة المتكررة الى البرلمان، بضمنها طلبه سحب دعوات قضائية رفعت أمام المحكمة الاتحادية بهذا الصدد.

 

يبدو هذا الانسلاخ تأكيداً للعواقب غير المتوقعة لأفعال الإطار التنسيقي وإيران وقرارات المحكمة الاتحادية. تلخصت هذه الأفعال بمعارضة الإطار المتطرفة حد استخدام العنف ضد حلفاء التيار من الأكراد والسنة كما في قصف أربيل واستهداف مكاتب أحزاب سنية، ورفع دعاوى أمام المحكمة الاتحادية قادت إلى إصدار الأخيرة قرارات أدت لإضعاف التحالف الثلاثي بزعامة التيار الصدري.

 

الأكثر تأثيراً بين هذه القرارات هو قرار اشتراط الثلثين كنصاب برلماني لانتخاب رئيس الجمهورية. ثم كان الجهد الإيراني المتواصل لإقناع الصدر بالتخلي عن فكرة الاغلبية السياسية والعودة الى حكومات "الوحدة الوطنية “عبر الزيارات المتكررة لقائد فيلق القدس، السيد إسماعيل قاني، ولقائه زعيم التيار، فضلاً عن اصطفاف الجمهورية الإسلامية الصريح مع الإطار ضد التيار. عندما فشل الإقناع، تَحول الجهد إلى الإرغام من خلال نزع الشرعية الدينية لزعامة الصدر السياسية للتيار بتقاعد السيد كاظم الحائري عن كونه مرجعاً دينياً ونصيحته للتيار أن يتحول الى تقليد السيد علي خامنئي. كان الغرض من كل هذه الضغوط السياسية والمؤسساتية والدينية هي دفع التيار الصدري الى العودة الى "الحظيرة الشيعية،" ممثلة بأحزاب الإسلام السياسي الشيعي التي صاغت، بالتعاون مع الأحزاب القومية الكردية، معادلة الحكم في العراق بعد 2003 بوصفها تقاسماً دائماً للسلطة بين مكونات دينية ومذهبية وعرقية، تتمتع بالمناصب وتحصد الغنائم المرتبطة به من دون استعداد لتحمل نتائج الفشل بسبب رفض تشكيل أقلية معارضة برلمانية من هذه المكونات تقف ضد الأغلبية السياسية الحاكمة.

 

لكن كانت نتائج هذه الجهود عكسية، على غير ما توقع الإطار وإيران، إذ مع كل خطوة في تصاعد هذه الجهود الضاغطة، كان خطاب التيار الرافض للعودة إلى صيغة الحكم التقليدية يزداد حدةً ووضوحاً.

وحتى مع الغموض المرتبط بكون موقف التيار هذا مجرد مناورة سياسية بارعة للحصول على صفقة أفضل في تقاسم كعكة الحكم أم أنه موقف مبدئي جديد، بسبب تاريخ سابق للتيار في التراجع المفاجئ والعودة إلى "التقليدية" بعد اتخاد مواقف إصلاحية جريئة، جاء قتل عشرات المحتجين الصدريين السلميين في المنطقة الخضراء هذا ليُسرَّع خطى هذا الانسلاخ ويضيف له بعداً نفسياً يتجاوز البعد السياسي. صنع سفك الدم الصدري حاجزا جديداً وصعباً بين الإطار الذي تتهم المجاميع المسلحة المرتبطة به بقتلهم والتيار الذي يتصاعد الغضب بين جمهوره المطالب الآن بالثأر في غياب اجراءات حكومية تكشف الفاعلين وتحاسبهم، كما حصل مع احتجاجات تشرين 2019 و2020 كان لافتاً بهذا الصدد مثلا في التغريدة الصدرية ختامُها الساعي لتأكيد التشابه بين الصدريين والتشرينيين عبر الإشارة إلى "الشعب المظلوم " الذي “ما أن طالب بلقمته وحقوقه قمعتموه وقتلتموه وما شهداء تشرين وعاشوراء عنكم ببعيد."

 

ما يزال الانسلاخ الصدري عن الطبقة السياسية الشيعية الحاكمة غير مكتمل، فالتيار ما يزال مُمثلاً في مواقع كثيرة متقدمة في السلطة التنفيذية. لن يكون سهلاً أو حتى ممكنا في بعض الأحيان على التيار الانسحاب من هذه المواقع لأسباب مختلفة، بعضها مرتبط بنوعية المواجهة التي يخوضها التيار مع الإطار.

 

يشعر الصدريون أنهم في مواجهة وجودية لحماية تيارهم من التفكيك بأدوات الدولة، ضمنها القوة المسلحة، في حال تشكيل حكومة إطارية، خصوصاً في ظل التهديدات المنسوبة لرئيس الوزراء الاسبق السيد نوري المالكي، في التسريبات التي ظهرت بخصوص "الهجوم على النجف" في اشارة الى استهداف التيار الصدري. إذا صحت هذه المخاوف الصدرية، فإن وجود موالين للتيار الصدري في السلطة التنفيذية سيساعد في منع تحول هذه التهديدات إلى وقائع، ويوفر، على الأقل، مجسات مبكرة للصدريين من داخل السلطة بخصوص خطط استهدافهم المفترضة.

 

لكن حتى إذا قررت قيادة التيار الانسحاب تماماً من السلطة التنفيذية، فستواجه بتحد كبير وربما مُحرج لها بهذا الصدد، إذ قد يرفض كثيرون التخلي عن مناصبهم في هذه السلطة خصوصا من شاغلي المناصب الإدارية، وليس بالضرورة السياسية. بمرور الزمن، وعبر سنوات طويلة من شغل هذه المناصب والاعتياد على أسلوب حياة شخصي معين مرتبط بالدولة والعمل فيها والمنافع المتأتيةً منها، سيتردد كثيرون من مغادرة كل هذا في سياق تضارب واضح بين المصالح الشخصية للأفراد والحركة السياسية التي ينتمون إليها أو يؤيدونها. لكن حتى مع بقاء التيار داخل السلطة التنفيذية جزئيا أو كلياً، فإنه يمثل تحدياً حقيقياً للطبقة السياسية الحزبية الشيعية الحاكمة.

 

أما إذا اكتمل انسلاخ التيار الصدري عن هذه الطبقة وأصبح خارجها تماماً، ومعارضاً لها على هذا الأساس، فسيكون الإطار التنسيقي، ومعه إيران، قد ارتكبا خطأً استراتيجياً فادحاً، بدفعهما التيار أن يكون خصماِ لهما في الشارع وعبر أدواته الشعبية التي لا يمتلكها الإطار. وإذا نجح التيار الصدري في حل خلافاته مع التشرينيين وصنع تحالفاً واسعاً احتجاجياً معهم، ضد طبقة الإسلام السياسي الشيعي المهيمنة على الحكم، فستتضرر مصالح الإطار التنسيقي وإيران على نحو جسيم ودائم.

 

ستكون المفارقة حينها هي أن الإطار فعل المستحيل كي لا يذهب الى المعارضة ويبقى في السلطة، لكن نتيجة محاولته هذه هي أنه سيفقد حضوره في السلطة وفي المعارضة على السواء. في العادة، تغيب مثل هذه الاحتمالات الجدية عن تفكير المستعجلين والمأخوذين بالحاضر وفوائده الآنية ويتجاهلون المستقبل وتبعات الأفعال التي سيكشفها وكأنه لن يأتي.

 

هذه هي الصفة القاتلة التي ستطيح أحزاب الإسلام السياسي الشيعي العراقي والتي طبعت حكمها للبلد على مدى 18 عاماً: الآنية في التفكير والاستعجال في كسب المغانم ورفض تعلم الدروس.