Shadow Shadow

العراق والاتفاق النووي الأميركي-الايراني

2022.08.26 - 19:25

عقيل عباس

يبدو أن أميركا وإيران تقتربان من توقيع الاتفاق النووي، وأن العقبات الأخيرة المتبقية في طريقها نحو التفكيك السريع.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

الرسائل العلنية التي يبعثها الطرفان تشير إلى أنهما بصدد تهيئة الرأي العام في بلديهما لمثل هذا التوقيع. ربما ليس هناك بلدٌ ثالث في المنطقة، أو حتى العالم، تابع رأيه العام، صحافيين وسياسيين ومواطنين عاديين، سير الصراع الأميركي-الإيراني بخصوص الملف النووي، صعوداً ونزولاً، مثل العراق. في الغالب، لم تكن هذه المتابعة دقيقة لجهة صحة المعلومات ورصانة التحليلات، بل في أحيان كثيرة كانت هذه المتابعة غير مفيدة لأنها كانت، وما تزال، تغذي الأوهام العراقية الطويلة الأمد. تؤخر هذه الأوهام تولي العراقيين زمام الأمور ببلدهم والاعتماد على أنفسهم.

 

الوهم العراقي الأكبر بهذا الصدد هو أن حل الملف النووي بين أميركا وإيران سيقود إلى حل بعض المشاكل السياسية في العراق، أو على أقل تقدير، إلى تخفيف حدة الصراع فيه والذهاب نحو التهدئة السياسية فيه على اعتبار ترابط الملفين. على أساس هذا الترابط المفترض، يمكن أن يحدث العكس أيضاً من خلال التأثير العراقي على الموقف الأميركي اذ يفترض عراقيون كثيرون أن بمقدور إيران مثلاً، بالاستعانة بحلفائها العراقيين المسلحين، الضغطَ على الموقف التفاوضي الأميركي في فيينا بخصوص الملف النووي، عبر استهدافهم السفارة أو القوات الأميركية في البلد.

 

تعكس طريقة التفكير هذه خليطاً معتاداً من سوء الفهم العراقي العميق بخصوص اشتغالات السياسة الدولية عموماً والأميركية خصوصاً وافتراضاتهما المتشابكة، وحساً مبالغاً وزائفاً بأهمية العراق وتأثيره في المسرح الدولي.

 

الملف النووي الإيراني منفصل تاريخياً وسياسياً عن العراق. بدأت إيران برنامجها النووي في نهاية الخمسينات في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وبمساعدة الولايات المتحدة في إطار برنامج أميركي شهير حينها اسمه "الذرة من أجل السلام" أطلقته إدارة الرئيس دوايت ايزنهاور في 1954. قام هذا البرنامج على خطاب معروف لايزنهاور أمام الأمم المتحدة في نهاية 1953 أطلقت عليه الصحافة هذا الإسم.

 

في هذا الخطاب، دعا الرئيس الأميركي إلى تحويل الذرة من الاستخدام الحربي والفتاك الذي يهدد الانسانية، إلى آخر سلمي يساهم في التطور والتنمية وتقدم الإنسان. جاء هذا الخطاب في سياق أوسع مرتبط بالخوف والقلق العالميين إثر بروز سباق التسلح النووي بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة بعد نشوب الحرب الباردة. كان العالم قبل نشوب هذه الحرب قد استيقظ تدريجياً على فظائع استخدام الولايات المتحدة للقنابل الذرية لإجبار اليابان على الاستسلام في نهاية الحرب العالمية الثانية في لأغسطس 1945. حتى الأميركان أنفسهم الذين ابتهجوا وقت سقوط القنبلتين الذريتين فوق مدينتي هيروشيما وناغازاكي اكتشفوا تدريجياً بعد الحرب الفظائعَ الهائلة التي تتسبب بها هذه القنابل ليأخذ الموقف الشعبي الأميركي بالتحول ضدها وضد استخدامها مستقبلاً.

 

استند برنامج "الذرة من أجل السلام" على قيام أميركا بتزويد عشرات من حلفائها من الدول النامية بمعدات وخبرات نووية فضلاً عن متخصصين بالشؤون النووية يتولون تدريب نظرائهم في هذه الدول على كيفية استخدام هذه المعدات لأغراض سلمية كتوليد الطاقة فضلاً عن المجالات الطبية والبحث العلمي.

 

كان للبرنامج بعدٌ جيوسياسي أيضاً ارتبط بتقوية حلفاء أميركا في الحرب الباردة تنموياً وضمان تقدمهم بإزاء دول المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي. عبر هذا البرنامج، حصلت دول كثيرة على إمكانيات تخصيب واطي لليورانيوم يتناسب مع الاستخدامات السلمية كباكستان وتركيا والأرجنتين والبرازيل وإسرائيل.

 

كانت إيران إحدى هذه البلدان إذ وقعت اتفاقية مع أميركا بهذا الصدد في 1957 قادت إلى تعاون أميركي-إيراني في بناء عدة مفاعلات نووية استغرق العمل فيها نحو عقد من الزمن. في عام 1970 وقعت إيران الشاهنشاهية الاتفاقية الدولية بشأن منع انتشار الأسلحة النووية والتأكيد على الاستخدام السلمي للذرة. بعد نجاح الثورة الإسلامية في 1979، أوقف زعيمها الروحي، آية الله الخميني، البرنامج النووي الإيراني بوصفه محرماً دينياً، قبل أن تستأنف إيران هذا البرنامج بعد اندلاع الحرب العراقية-الايرانية.

 

منذ إعادة احياء برنامجها النووي في الثمانينات، كانت إيران تؤكد دائماً في المحافل الدولية إنه مخصص للأغراض السلمية، إلى أن سربت المعارضة الإيرانية المتمثلة بمنظمة مجاهدي خلق، في صيف 2002، معلومات تفصيلية عن أنشطة نووية إيرانية محرمة دولياً، بينها زيادة نسب تخصيب اليورانيوم في منشأة ننطز النووية التي بنتها الولايات المتحدة في عقد الستينات. على أثر هذه التسريبات التي ظهرت صحيحة، بدأت مواجهة صعبة وطويلة بين إيران ومنظمة الطاقة الذرية، مدعومة بإصرار غربي على إيقاف الأنشطة النووية الإيرانية المحرمة بحسب اتفاقية 1970.

 

لم يكن تعاون إيران مع المنظمة الدولية مخلصاً أو كاملاً، إذ سمحت لمفتشي الاخيرة بزيارة وتفتيش المنشآت المعروفة، لتكتشف المنظمة فيما بعد إن هناك منشآت سرية لم تعلن عنها إيران. دفع هذا الاكتشاف مدير المنظمة، محمد البرادعي، إلى تهديد إيران بتحويل ملفها النووي إلى مجلس الأمن الدولي في حالة استمرار عدم التعاون الكامل.

 

في فبراير 2006 قررت المنظمة، بتصويت الاغلبية الساحقة من أعضائها، رفع الملف إلى مجلس الأمن الذي أصدر في نهاية ذلك العام قراراً بالإجماع، القرار 1737، على أساس مشروع قرار قدمته ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بفرض عقوبات على إيران بسبب رفضها إيقاف برنامجها النووي لتخصيب اليورانيوم. كانت هذه أولى العقوبات ضد إيران بخصوص ملفها النووي الذي بقي مفتوحاً على الشد والجذب وصولاً إلى عقد اتفاق جنيف 2013 بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائداً ألمانيا، أو ما عُرف حينها بمجموعة الـ5+1. بموجب هذا الاتفاق رُفع التجميد عن ودائع إيرانية بقيمة 700 مليون دولار في البنوك الغربية، مقابل فتح إيران منشآتها للتفتيش الدولي.

 

مَهدَّ هذا الاتفاق المؤقت الذي اشترط فترة ستة أشهر، جُددت فيما بعد، للتوصل إلى اتفاق نهائي أُبرم في 2015 قبل أن تنسحب منه إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في 2018. أعادت هذه الإدارة فرض العقوبات الأميركية على إيران وأضافت عليها عقوبات جديدة في إطار ما عُرف بسياسة الضغط الأقصى. كان تحفظ هذه الإدارة، وهو يعكس تحفظاً واسعاً في أوساط الحزب الجمهوري الأميركي وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، أن الاتفاق يتعاطى فقط مع الملف النووي الإيراني ويهمل ما تعتبره الإدارة ملفين مهمين آخرين: سلوك إيران المزعزع في المنطقة وبرنامج صواريخها الباليستية. لأسبابها المختلفة، قررت الإدارة الحالية بقيادة الرئيس جو بايدن التفاوض للعودة إلى الاتفاق نفسه، وهو ما يبدو الأمر الوشيك الحصول ما لم تظهر مفاجأة جديدة.

 

عبر كل هذا، لم يكن العراق حاضراً أو مؤثراً، على نحو مباشر أو غير مباشر، في المفاوضات الدولية مع إيران بخصوص ملفها النووي. منذ 2002، عند اكتشاف العالم الانشطة النووية الإيرانية المحرمة دولياً، كان القرار الدولي، بزعامة غربية، واضحاً وصارماً: منع هذه الأنشطة بأي ثمن، حتى لو تطلب الأمر القيام بعمل العسكري ضد إيران في حال فشل الجهود الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية.

 

كان هذا التفكير موجوداً حتى قبل إسقاط نظام صدام حسين. اعتبرت أميركا مبكراً أن إيقاف البرنامج النووي الايراني ذا الاستخدامات العسكرية، هدفاً استراتيجياً لها، يتعلق بالحفاظ على أمنها القومي وأمن حلفائها في المنطقة القلقين من الطموحات النووية الإيرانية. لم يكن هذا الهدف الاستراتيجي مرتبطاً بالعراق أو يمر تحقيقه بالعراق، لكن أوهام التفكير العراقية الشائعة صنعت أهمية متخيلة للبلد في إطار أوسع يتعلق بضعف المعرفة الجدية للعالم لدى الكثير من ساسة البلد ونخبه الإعلامية.

 

"سكاي"