Shadow Shadow

تغطية حراك تشكيل الحكومة.. لحظة بلحظة

استقالة الصدريين والقفز نحو المجهول!

يحيى الكبيسي

كاتب وباحث سياسي

استقالة الصدريين والقفز نحو المجهول!

2022.06.17 - 14:33

يحيى الكبيسي

في خطوة غير متوقعة، أمر السيد مقتدى الصدر كتلته النيابية (وعددهم 73 نائبا يمثلون ما نسبته 22.1٪ من مجموع أعضاء مجلس النواب) بالاستقالة الجماعية، ليترك الجميع يضربون أخماسا في أسداس، ويلجأون إلى كل أصناف قراءة الطالع الممكنة للتنبؤ بخطوته التالية!

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

لكن توقيت الانسحاب يكشف أنه كان قرارا مدروسا بعناية، ولم يكن قرارا مرتجلا كما يبدو؛ فالاستقال جاءت بعد أيام قليلة من نجاح التيار الصدري في تمرير قانون «الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية» وهو قانون كان التيار وراء تمريره من الأصل وقد نجحت الكتلة الصدرية في تحويله إلى مشروع قانون عبر مجلس الوزراء، ثم تقديمه كمقترح قانون بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا (الذي قضى بأن حكومة تصريف الأعمال لا تملك صلاحية تقديم مشاريع قوانين) ونجحت الكتلة أيضا في تمرير ه عبر مجلس النواب بعد أن عقدوا صفقة مع الإطار التنسيقي، في اللحظة الأخيرة، جعلته يسحب اعتراضاته على القانون! وهذا القانون يتيح للتيار الصدري، الإبقاء على الحكومة المحسوبة عليه فاعلة إلى أطول مدى ممكن بعد أن أصبح توصيف «تصريف الأمور اليومية/ تصريف الأعمال، لا قيمة حقيقية له مع هذه الموارد المليارية التي تستطيع الحكومة التصرف بها، فضلا على أنه سيتيح الفرصة للتيار نفسه، والأحزاب والكتل السياسية الأخرى، الحصول على الريوع التي ستأتي من خلال الاستثمار في المال العام.

كما أن قرار الاستقالة جاء في سياق العطلة التشريعية لمجلس النواب، ومدتها 30 يوما، وهذه المدة ستمنع بطبيعة الحال، البدلاء المفترضين للنواب المستقيلين، من تأدية اليمين الدستورية، وهي مدة كافية لإتاحة الفرص لحوارات اللحظة الأخيرة التي قد تفضي في النهاية إلى صفقة يقبل بها التيار الصدري تجعله يعود عن الاستقالة!

على مدى الأشهر الماضية، كان السيد مقتدى الصدر يضع الجميع أمام خيارين؛ ما يسميه حكومة أغلبية وطنية (وهي في حقيقتها حكومة ائتلافية ضيقة تعكس البعد الهوياتي نفسه للحكومات الائتلافية الموسعة التي تم تبنيها طيلة السنوات الماضية) أو الذهاب إلى المعارضة، أي البقاء في مجلس النواب دون الاشتراك في الحكومة، لكن قرار الاستقالة يعني أن السيد مقتدى الصدر قرر اللجوء إلى الشارع وليس إلى الوسائل الديمقراطية التي يتيحها وجود معارضة سياسية تمارس الرقابة داخل مجلس النواب، ومن المعروف أن السيد مقتدى الصدر هو الزعيم السياسي الوحيد في العراق الذي يمتلك القدرة على تحريك جمهوره العقائدي (حصل التيار الصدري في الانتخابات الأخيرة على ما يزيد عن 800 ألف صوت) من البصرة إلى بغداد بتغريدة واحدة!

هذا فضلا عن أنه يمتلك قوة عسكرية عقائدية تحت مسمى «سرايا السلام» تتبع أوامره بشكل مباشر، وهو ما يزيد المشهد تعقيدا لاسيما أن هذه القوة نفسها، تحت مسميات مختلفة، سبق لها أن دخلت في اكثر من مواجهة عسكرية مع القوات العسكرية الرسمية في الأعوام 2004 و 2007 و2008.

على مدى السنوات الماضية، عودنا السيد مقتدى الصدر أنه عصي على التحليل، ولا يمكن بسهولة توقع خطواته، وهو على استعداد للانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وفقا لقراءته الخاصة للوقائع، او حدوسه الشخصية، وهو يفعل ذلك وهو مدرك أن جمهوره العقائدي سيتبعه طائعا مهما كان قراره، لهذا سيكون من الصعب توقع خطوته التالية للاستقالة، لكن الثابت الوحيد هو أنه لن يتخلى عن «حصته» في السلطة، فهي الضمان الوحيد لتوفير الحصانة والحماية وعوامل الاستمرار! من هنا اقتصرت الاستقالة على نواب التيار الصدري في البرلمان، ولم تشمل ممثل التيار في السلطة التنفيذية، فالتيار الصدري لايزال يمتلك تمثيلا قويا وفاعلا فيها، فضلا عن هيمنته على قرار حكومة تصريف الأعمال نفسها.

لهذا سيبدو من السذاجة التعاطي مع قرار الاستقالة بوصفه قرارا حقيقيا بالخروج من السلطة، أو حتى الانسحاب من سباق تشكيل الحكومة، ومنح الفرصة بكل أريحية ونكران ذات للآخرين حتي يشكلوها وفقا لشروطهم! وكان هذا واضحا للآخرين، من خلال الاستجابة «الباهتة» التي استقبلوا بها قرار الاستقالة؛ فلم يصدر أي بيان رسمي من حليفي السيد مقتدى الصدر في تحالف «إنقاذ وطن» وهما كل من تحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني، يوضح موقفهما الرسمي من هذه الاستقالة، أو يحدد طبيعة الاستجابة لها.

أما الإطار التنسيقي، الذي يضم القوى الشيعية الأخرى، فقد أصدر بيانا «روتينيا» يعبر فيه عن احترامه لقرار الاستقالة، وأنه مستمر في حواراته لاستكمال الاستحقاقات الدستورية وتشكيل حكومة «خدمة وطنية»!

وبعيدا عن اللغة الإنشائية التي يرددها الجميع حول عدم الانجرار إلى الفتنة، أو عدم الاحتكام إلى السلاح، إلا أن «فلتات» التغريدات والتصريحات تقول عكس ذلك، وهي تشي بما يعتمل في العقول والنفوس معا!

من قبيل ما صرحت به النائبة الصدرية المستقيلة بأن جيش المهدي «المجمد» (وهو أحد الأسماء السابقة لسرايا السلام) يمكن أن يعود بعود ثقاب واحد! فيما يعمد مقرب من الإطار التنسيقي إلى التنابز بأعداد المسلحين التابعين لكل طرف!

في ثلاث مرات سابقة، وعندما كانت الأمور تصل إلى حالة الجمود، كانت ثمة فواعل من خارج إطار القوى السياسية، تعيد الأمور إلى نصابها، الأولى عندما تدخلت مرجعية النجف لإجبار السيد ابراهيم الجعفري على التخلي عن ترشيحه لرئاسة مجلس الوزراء في العام 2006، والمرة الثانية عندما تدخل الإيرانيون لإقناع السيد مقتدى الصدر بولاية ثانية للسيد نوري المالكي في العام 2010، والمرة الثالثة عندما تدخلت مرجعية النجف لمنع ترشح المالكي لولاية ثالثة، كما تدخل الإيرانيون لإقناعه بالقبول بما جرى في العام 2014، وما زال لدى الطرفين ما يفعلانه لإنهاء الجمود الحالي!

قلنا في أكثر من مناسبة، إن علاقات القوة في العراق لا تعتمد على أوزان القوى السياسية عبر تمثيلها في السلطتين التشريعية والتنفيذية، بل تعتمد بالدرجة الأولى على القوة العسكرية التي تمتلكها هذه القوى، تحديدا القوى الشيعية والكردية (لا تملك القوى السياسية السنية أي اجنحة عسكرية). وبالتالي فإن خروج أي كيان سياسي يملك جناحا مسلحا من المعادلة السياسية هو وصفة للخراب المؤكد! وسيكون هذا الخراب مضاعفا إذا ما توهم بعض الإطاريين أن ما جرى سيتيح لهم السعي لتشكيل حكومة تقوم، عبر آليات منهجية، بمحاولة إضعاف التيار، اعتمادا على تجربة المالكي السابقة!