Shadow Shadow

تغطية حراك تشكيل الحكومة.. لحظة بلحظة

الأردن يعود من البوابة الأميركية

2022.06.02 - 18:16

نضال منصور

كان العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، محظوظا بلقاء الرئيس الأميركي، جو بايدن، للمرة الثانية خلال وقت قصير، وشهدت اجتماعات الملك حفاوة، وإشادات من القيادات الأميركية بالعلاقات المشتركة، والدور الذي يلعبه الأردن، ورغم ذلك وجه الملك انتقادات لافتة للإدارة الأميركية قبل أن يُغادر أراضيها.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

ونبه الملك إلي أن الزعماء العرب يشعرون أن أميركا تُدير ظهرها لهم، وأن الدور الروسي كان مهما للأمن الوطني الأردني، ولا يمكن الاستغناء عنه، لأنه ضمن التهدئة علي الحدود مع سوريا، وأعاد التذكير بأنه دون حل القضية الفلسطينية ستعود المخاطر أكبر.

 

المقابلة التي أجراها الملك في البرنامج العسكري الذي ينتجه معهد هوفر بجامعة ستانفورد، ويقدمه الجنرال المتقاعد، هربرت ماكماستر، كانت حافلة بالرسائل المباشرة، والمشفرة للإدارة الأميركية، وأظهر أن الزيارة الملكية كانت أكثر من مباحثات لتعزيز العلاقات الأردنية الأميركية، وبحث حزم المساعدات.

 

والواضح أن العاهل الأردني يحاول أن يلعب دور الوسيط ما بين زعماء عرب والرئيس بايدن، لكسر الجليد في العلاقات التي سادت منذ توليه الرئاسة في البيت الأبيض، وتجنبه التواصل المباشر والاتصال مع بلدان كان قد وضع فيتو عليها، ووصفها قبل وصوله إلي سدة الرئاسة بأنها "منبوذة".

 

العتاب والانتقادات التي طرحها الملك في المقابلة التلفزيونية فسرت علي أنها خلافات تتعمق، خاصة بعد الحرب الروسية علي أوكرانيا، وتعمُّد زعماء عرب السير بخلاف الرؤية والمقاربة الأميركية للأزمة، ولهذا كان حديث السفير الأميركي في عمّان، هنري ووستر، كأنه محاولة لترقيع العيوب التي طفت علي سطح العلاقات، فيقول ووستر: "العلاقة الأميركية الأردنية كانت قوية، واستمرت قوية، وهي الآن أقوي من أي وقت مضي".

 

وتابع "مصلحة أميركا أن يكون الأردن قويا ليس عسكريا، ولكن اقتصاديا أيضا"، ويحسم الموقف بالتأكيد" قطعا لن يكون ضعف الأردن من مصلحة الولايات المتحدة".

 

في المقابلة التلفزيونية محطّات من الضروري التوقف عندها وبحث تداعياتها، وربما أهمها الإشارة إلي أن الوجود الروسي في جنوب سوريا كان يُشكل مصدرا للتهدئة، وهذا الفراغ - بعد الانسحاب الروسي- سيملؤه الإيرانيون ووكلاؤهم، وهو ما قد بتسبب بتصعيد محتمل علي الحدود الأردنية السورية.

 

في الأشهر الماضية، شهدت الحدود تصعيدا بعدما اعتبر الأردن أن قيادات عسكرية سورية، بشراكة وتعاون منظم وممنهج مع مليشيات إيرانية، تخوض حرب "الكبتاغون "ضدها، وهو ما اقتضي تغيير قواعد الاشتباك عسكريا، واستخدام القوة.

 

حرب المخدرات أصبحت تُشكل تحديا، وخطرا إذا ما اقترنت بتنظيمات يعتبرها الأردن إرهابية، وبناء علي ذلك تري عمّان أن الغياب الروسي يضر بأمنها الوطني، سواء اتفقت معها واشنطن بذلك، أو خالفتها.

 

القضية الثانية التي يُثيرها الملك أن الزعماء العرب لن ينتظروا بعد اليوم واشنطن لتقدم لهم الحلول، لهذا يشير إلي أنه بحث مع قادة عرب إيجاد حلول للمشاكل التي يعاني منها الإقليم، وتحمل عبئها الثقيل، بدل الذهاب إلي الولايات المتحدة لحل القضايا العالقة.

 

طرْح هذا الكلام في هذا التوقيت مهم، فهو ليّ ذراع للإدارة الأميركية التي تريد تحشيد الجميع خلفها في صراعها مع روسيا، وبالتأكيد واشنطن لن تفلح في حشد التأييد لمواقفها إذا كانت تغلق أبوابها في وجه حلفائها بذرائع مختلفة، والملك الأردني يعرف أن هذا هو أوان التحرك لضرب أحجار الدومينو الصامدة داخل المؤسسة السياسية الأميركية، والتي لديها تابوهات سياسية تريد تطبيقها علي مسطرتها في العلاقات والسياسة الخارجية.

 

يُعطي الملك دولة الإمارات كمثال علي العلاقات غير العادلة التي تمارسها أميركا، وفي ظلال التصريحات تعود للواجهة العلاقات مع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، والذي تصر إدارة بايدن علي تجنب التواصل معه، وكذلك الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي.

 

الانزعاج السعودي واضح، ولا يحتاج تفسيراً، وولي العهد، الحاكم الفعلي للسعودية، في حديثه إلي مجلة "أتلانتيك" الأميركية أكد أنه "لا يهتم" بما يفهمه الرئيس الأميركي عنه، مذكّرا أن الأمر يرجع له "للاهتمام بمصالح أميركا"، وفي ذلك مكاسرة سياسية غير مباشرة وتهديد مبطن، ويبدو الأمر أكثر جلاءً حين يقول للإدارة الأميركية "ليس لديكم الحق في التدخل في شؤوننا الداخلية".

 

لا توجد ثوابت في السياسة، فالمصالح زاجرة، آمرة، والرئيس بايدن سيبدأ جولة هذا الشهر يتوقع أن يقفز خلالها علي الكثير من الخطوط التي التزم بها، وأوّلها اللقاء بولي العهد السعودي، وربما يكون اللقاء جماعيا علي هامش قمة مجلس التعاون الخليجي، وهو ما فعله الرئيس السابق، دونالد ترامب.

 

ومن الاحتمالات التي يعمل عليها الأردن ترتيب قمة مصغرة تجمع بعض الزعماء العرب وفي مقدمتهم الرئيس الإماراتي، محمد بن زايد، والأمير بن سلمان، والرئيس المصري، والمرجح أن يضم رئيس الوزراء العراقي، مصطفي الكاظمي، وإن استطاع الملك إعادة عملية السلام إلي الواجهة سيكون رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، معهم.

 

القضية، أو الملف الثالث، الذي يؤشر إليه الملك في حديثه، القضية الفلسطينية، وهو يري أن التقدم في العلاقات التطبيعية بين دول عربية وإسرائيل، وإن تقدمت خطوتين، فإنها تتراجع خطوتين، وتلحق الضرر بالمصالح الأميركية، ما لم تجد حلا عادلا.

 

بعد الخروقات، والانتهاكات المتوالية من قبل الاحتلال الإسرائيلي لحرمة المسجد الأقصي، وتصريحات الرئيس الإسرائيلي المتنكرة للوصاية الهاشمية، وبعد اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة، لا يملك الأردن سوي المواجهة، ويري أن الإدارة الأميركية الجديدة بعد ترامب لم تفعل شيئا حتي اللحظة في دعم مسار التسوية السياسية، أو فرملة اندفاع الحكومات الإسرائيلية نحو التطرف، والتنافس فيما بينها علي دعم التوحش الاستيطاني، وتجاوزاته المستمرة.

 

شهر حزيران (يونيو) الجاري سيشهد تحركات إقليمية، والملك استبقها برسائل لتأطير المشهد لعله يقطف الثمار، أو يُقلل الخسائر، وفي نفس الوقت يعيد ترسيخ حضوره كلاعب فاعل من البوابة الأميركية، فهو الذي فُرِش له السجاد الأحمر مرتين في البيت الأبيض، والآخرون يتفرجون، وينتظرون.

 

"الحرة"