في ظل هذا التفسير الجديد، بمقدور ١٠٩ نائب يمتنعون عن حضور جلسة انتخاب رئيس الجمهورية أن يعطلوا هذا الانتخاب، وهذا بالتالي يمنع الذهاب الى الخطوة التالية وهي تكليف رئيس الجمهورية المنتخب الكتلةَ الأكثر عدداً، الكتلة الصدرية حالياً، بتشكيل الحكومة. ايضاً، أدخل تفسير المحكمة الاتحادية هذا مصطلحاً جديداً آخرَ في السياسة ومصاعبها في البلد هو "الثلث المُعطِّل." بموجب هذا الثلث المُعطِّل تستطيع الأقلية تعطيل إرادة الأغلبية  في تلبية استحقاقات دستورية ضرورية واساسية يُمثل تأخيرها، أو عدم الإيفاء بها، خرقاً دستورياً أعلى قانونياً وأشد فداحةً سياسياً وأكثر ضرراً بالصالح العام، إذ يقود هذا التعطيل عملياً الى شلل ماكنة الدولة عبر الإبقاء على حكومة تصريف اعمال بصلاحيات محدودة ترتبط فقط بتمشية امور الدولة اليومية والروتينية. باختصار، قاد "الثلث المُعطِّل" إلى "الانسداد السياسي." 

استندت فرضية القوى السياسية المستفيدة بشكل أساسي من "الثلث المُعطل،" والممثلة في الإطار التنسيقي على أن هذا الثلث يمنحها ميزة استراتيجية تستطيع عبرها إجبار التيار الصدري على الدخول في تحالف معها، ومن ثم تشكيل حكومة جديدة، جوهرها توافقي، تحت تسمية مخاتلة، تصلح كي تكون إضافة ثالثةً للقاموس السياسي العراقي، هي "الاغلبية الموسعة." تعني هذه "الاغلبية الموسعة" عملياً تكرار الفشل المعتاد الذي عُرفت به كل الحكومات التوافقية منذ ٢٠٠٥.  لحد الان،  يبدو ان الإطاريين نجحوا في تحقيق نصف ما أرادوا  تحقيقه فيما فشلوا في النصف الآخر والأهم:  نجحوا في منع تحقق النصاب اللازم لانتخاب رئيس الجمهورية، لكنهم فشلوا في اقناع او اجبار التيار الصدري على الدخول معهم في صفقة لتشكيل الحكومة المقبلة. إذا بقي الصدريون على رفضهم التحالفَ البرلماني مع الإطاريين، فأنهم سيصنعون بذلك مأزقاً أكبر للإطار التنسيقي على المدى البعيد تنتهي بخسارة سياسية فادحة له فوق خسارته الانتخابية، ويساهمون في إصلاح بعض مواضع العطب العميقة في جسد الدولة العراقية.  

حتى مع احتمالات عجز التيار الصدري، في إطار التحالف الثلاثي الذي يقوده، عن ضمان حضور ثلثي عدد أعضاء البرلمان في جلسة مقبلة لانتخاب رئيس الجمهورية، خصوصاً في ظل جهود مدعومة ايرانياً لتفكيك التحالف الثلاثي كي يفقد التيار أغلبيته البرلمانية ويُضطر للتحالف مع الإطار التنسيقي وبالتالي العودة الى المعادلة التوافقية السابقة، حتى مع هذه الاحتمالات، فإن الأوراق الأقوى ما تزال بيد التيار والتحالف. ثمة توجه يتنامى بخصوص القبول بالوضع الحالي على نحو مفتوح، أي عدم الذهاب لانتخاب رئيس الجمهورية واستمرار حكومة تصريف الأعمال الحالية. في هذه الاثناء، يستفيد التحالف الثلاثي من أغلبيته البرلمانية  لتحقيق جزء مهم من أجندته المعلنة بخصوص مكافحة الفساد واحتكار الدولة للسلاح وتحسين كفاءة الدولة والإصلاح الاقتصادي.

 بعكس الحكومة، البرلمان كامل الصلاحية وللتحالف الثلاثي فيه أغلبية مريحة، وبمستطاعه استخدام هذه الأغلبية لأغراض الرقابة والتشريع لدعم برنامجه السياسي المعلن. يمكن أن تتضمن بعض خطوات البرلمان فتح ملفات فساد كبرى وإجراء تحقيقات بشأنها لتسليط الضوء عليها شعبياً وسياسياً ثم تحويلها الى القضاء لمتابعتها قانونياً، فضلاً عن استدعاء بعض كبار موظفي الدولة من وزراء وغيرهم، سواء العسكريين أو المدنيين، والاستفسار منهم أو التحقيق معهم برلمانياً بخصوص الفشل المؤسساتي في تنفيذ المشاريع او الادوار المناطة بهم والتصويت بازالة الفاشلين منهم والدعوة الى تعيين اكفاء بمكانهم حتى وان كانت هذه التعيينات بالوكالة في هذه المرحلة الانتقالية الطويلة. ثم هناك امكانية تشريع قوانين جديدة وذكية تساهم بحل بعض المشاكل الصعبة في البلد. لا يحتاج البرلمان أن يستلم، كما ينص الدستور، مشاريع القوانين من الحكومة، التي لن يكون لها على الأغلب مثل هذه الصلاحية في وضعها الحالي كحكومة تصريف أعمال، فبمقدور ١٠ من أعضائه تقديم مقترح قانون يناقشه البرلمان ويخضعه للتصويت. تشمل بعض القوانين المهمة التي يمكن امرارها قانون النفط والغاز الاتحادي لتنظيم العلاقة الملتبسة بخصوص النفط وعوائد بيعه بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية فضلاً عن قوانين تتعلق بتطوير البيئة الاستثمارية في البلد وتحسين الرقابة على المؤسسات وحماية الحقوق والحريات، كما في الغاء او تعديل مواد قوانين ذات طبيعة استبدادية أو بيروقراطية مُعيقة من عهد النظام البعثي السابق ما تزال فاعلة. 

في الحقيقة، يمكن أن تمثل هذه التجربة تطويراً مهما لعمل البرلمان العراقي وإبرازاً مناسباً لهويته ودوره بوصفه السلطة الأعلى في البلد. منذ ٢٠٠٦، العام الذي بدأ فيه البرلمان العراقي حياته  بعد إمرار الدستور الدائم في ٢٠٠٥، لم يظهر دوره واضحاً بوصفه السلطة الأولى والأعلى في البلد، السلطة التشريعية، إلا في سياقات محددة تتعلق بانتخاب رؤساء الجمهورية والوزراء والبرلمان، في إطار صفقات توافقية تمرر كسلة واحدة، بعد إجراء كل انتخابات عامة. بعد ذلك يتراجع دور البرلمان لصالح دور الحكومة، أي السلطة التنفيذية،  التي كثيراً ما تغولت وتمددت على دور السلطة التشريعية. ساهمت الطبيعة التوافقية للنظام السياسي، حيث لا معارضة برلمانية مقابل هيمنة الصفقات المصلحية، وليست الوطنية، التي شارك فيها برلمانيون كثيرون، في اضعاف البرلمان وتراجع دوره.  الآن وللمرة الأولى منذ ٢٠٠٦ هناك أغلبية ومعارضة في البرلمان، فُرضت قسراً بسبب الإصرار الصحيح للتيار الصدري على هذا الأمر. يحتاج التيار ومعه التحالف الثلاثي أن يحول هذا إلى واقع سياسي وبرلماني محسوس.   

في المقابل، سيُضطر الإطار التنسيقي الذي صنع عملياً هذا الانسداد الحالي لأن يلعب دور المعارضة البرلمانية. على المدى المتوسط والبعيد ستكون التبعات السياسية والشعبية سيئة على الإطار التنسيقي إذا أصر على استخدامه الثلث المعطل لمنع تشكيل حكومة هو ليس جزءاً منها. ففضلاً عن شلل السلطة التنفيذية الذي سيؤثر سلباً على حياة الناس العاديين ولوم الرأي العام للإطار على هذا الأمر بسبب تقديمه مصالحه الحزبية على مصالح الشعب، وهو ما سيظهر أثره على الأكثر في أي انتخابات مقبلة، سواء مبكرة أو عادية، سيخسر الإطار ايضاً وعلى نحو  تدريجي الكثيرَ من مواقع تأثيره الحالي في السلطة التنفيذية.   

هذه لحظة وضوح أساسية في قصة عراق ما بعد ٢٠٠٣ إذ هي تمثل فرصة نادرة للبدء بإصلاح حقيقي لهذه الدولة العليلة. من المهم ألا تضيع هذه الفرصة  في دهاليز المساومات والترضيات المعتادة. التيار الصدري وحده هو القادر على منع الانزلاق في هذه الدهاليز المعتمة والسيئة ومن مصلحته إلا يُبدد هذه الفرصة التاريخية التي أتيحت له. 

 

"سكاي نيوز"