Shadow Shadow

العقوبات الاقتصادية بين ردع الأشرار وإيذاء الأبرياء (1-2)

2022.03.12 - 20:37

عقيل عباس

بغداد - ناس

يتصاعد استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة للضغط السياسي على الخصوم، كما في هذه الأيام التي توحد فيها الغرب بزعامة أميركية للرد على الاجتياح الروسي لأوكرانيا. قد تساعد هذه العقوبات أوكرانيا، الطرف الأضعف في الحرب مع روسيا، على عدم خسارة هذه الحرب، لكن من غير المؤكد ان تضمن انتصارها فيها.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

العقوبات الاقتصادية قديمة بقدم الحرب في التاريخ الإنساني، إذ ارتبطت بها، بوصفها مرحلة مبكرة من حرب بين طرفين قد تنتهي بفوز أحدهما من دون قتال عند نجاح الضغط الاقتصادي في إخضاع الخصم دون استخدام السلاح.

 

هذا كان تقليد الحصار العسكري في الشرق القديم. اتبعه المصريون والبابليون والآشوريون وسواهم ضد خصومهم. يبدأ الأمر بقطع الموارد الاقتصادية عن المدينة المحاصرة لإجبارها على الاستسلام بدون قتل كما في إيقاف تجارتها مع المدن الأخرى وقطع مصادر المياه ومنع الفلاحين من الوصول إلى مزارعهم والرعاة إلى مراعيهم. عند فشل هذه الحصارات الاقتصادية، يتم اللجوء إلى الأدوات العسكرية التي تكون فعالة إذا سبقا حصار اقتصادي طويل.

 

بعد أكثر من ألف عام، فَصَل الإغريق العقوبات الاقتصادية عن العمل العسكري المباشر، لتصبح العقوبات فعلاً قائماً بذاته. في التاريخ المكتوب يَردُ أول فعل لعقوبة اقتصادية في القرن الخامس قبل الميلاد عندما أصدرت أثينا، وهي في أشد قوتها وهيمنتها على المدن الإغريقية الأخرى في إطار التحالف الكبير، المعروف باسم "التحالف الديلياني" الذي قادته ضد الإمبراطورية الفارسية الغازية، أولَ عقوبات اقتصادية خالصة ضد مدينة إغريقية أخرى، ميغيرا، بسبب تجاوز الأخيرة على أرض مقدسة تابعة لأثينا وقتلها الرسول الذي بعثته للاعتراض على فعل التدنيس هذا، فضلاً عن إيوائها العبيد الفارين إليها من أثينا.

 

منعَ "القرار الميغيري" التعامل التجاري، بيعاً وشراءً، مع تجار ميغيرا في كل المدن والموانئ الإغريقية الداخلة في التحالف الديلياني. لم تنجح تلك العقوبات الاقتصادية حينها، بل ساهمت في تسعير الحرب بين أثينا وعدوتها اللدودة إسبارطة، حليفة ميغيرا.

 

تواصل استخدام العقوبات الاقتصادية عبر التأريخ، حتى وإن كان بعضها القليل محفزاً بدوافع دينية وليست سياسية، كما في "الحصارات البابوبية" التي استخدمتها الكنيسة الكاثوليكية إبان معظم فترة الحروب الصليبية بدءاً من القرن الثاني عشر عندما حرمت الكنيسة بيع المسيحيين كعبيد للمسلمين، وهي التجارة التي كانت رائجة ومربحة حينها. استندت الكنيسة حينها على الخصومة الدينية في هذا التحريم برفض أن يصبح مسلماً سيداً على مسيحي فضلاً عن خوف الكنيسة عن تخلي هؤلاء العبيد، بمرور الزمن، عن المسيحية واعتناقهم الإسلام.

 

في القرن العشرين، مع تشكيل نظام دولي جديد بعد الحرب العالمية الأولى تمحور للمرة الأولِى حول مفهوم المساواة القانونية بين الدول، كانت عصبة الأمم المتشكلة في 1920 المؤسسة الأهم فيه، تحولت العقوبات الاقتصادية إلى أداة لفرض المساواة وحماية الحقوق. لكن في اختبارها الأهم، فشلت العصبة في فرض عقوباتها على طرفٍ معتد، في 1935، عندما بدأت إيطاليا الفاشية تحت قيادة بنيتو موسوليني غزواً لأثيوبيا. أصدرت عصبة الأمم قراراً بإدانة الغزو وطالبت إيطاليا بالانسحاب وفرضت عليها عقوبات منعت تصدير واستيراد السلاح والعتاد منها. لم تكن هذه العقوبات كافية، فاتجهت النية سريعاً لفرض عقوبات أشد تشمل منع تصدير النفط والفحم لإيطاليا. كان لمثل هذه العقوبات الأخيرة أن تنجح لولا اختلاف المصالح السياسية حينها، خصوصا البريطانية والفرنسية.

 

فرغم رفض البلدين للغزو الايطالي، لم يدعما العقوبات على إيطاليا، في إطار سعيهما لنسج تحالف قوي مع الأخيرة ضد سياسات التوسع التي كانت تقوم بها ألمانيا النازية في أوروبا حينها وكانت إيطاليا تعارضها.

 

في آخر المطاف فشلت عصبة الأمم في فرض عقوبات فعالة ضد إيطاليا، وأُعتبر هذا الفشل ضربةً كبرى للنظام العالمي الجديد الذي تصدرته عصبة الأمم للحفاظ على السلم العالمي وتجنب حدوث مأساة عالمية أخرى كالحرب العالمية الأولى. ساهم الفشل في ردع إيطاليا في تشجيع ألمانيا على احتلال دول اخرى عندما رأت عجز عصبة الأمم عن ردع إيطاليا. في الاخير ظهرت الحسابات البريطانية-الفرنسية خاطئة، إذ تحالفت إيطاليا مع ألمانيا ضد هاتين الدولتين بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.

 

شَكَّل المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، أميركا والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا، نظاماً دولياً جديداً، عبر تأسيس منظومة الأمم المتحدة التي استبدلت عصبة الأمم. بخلاف تجربة العصبة الفاشلة، ضمت المنظومة الجديدة مؤسساتٍ وأدوات تنفيذ واضحة وقادرة على الحسم، كمجلس الأمن الدولي ذي القرارات الإلزامية. كان جوهر النظام الجديد اقتصادياً، عبر افتراض ان توسيع التجارة والتعاون الاقتصادي بين الدول سيخلق تدريجياً مصالح مشتركة بينها يدفعها الى التفاهم والتقارب عبر مؤسسات تشكلت لهذا الغرض، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وبالتالي التخلي عن القوة العسكرية كسبيل لحل الخلافات.

 

لم تمضِ الاشياء هكذا، بسبب بروز الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي بعد سنوات قليلة من تشكيل منظومة الأمم المتحدة. أعطت الحرب الباردة الأولوية للاعتبارات السياسية والايديولوجية، بما تعنيه من احتمالات التصادم العسكري في إطار صراع محتدم ممتد في العالم كله، على الطموحات الاقتصادية وآمال التعاون. مع ذلك، في لحظات الاتفاق النادر استخدمت العقوبات الاقتصادية دولياً لردع السلوك الأسوأ، كما في الاستخدام الأممي الأول للعقوبات الاقتصادية في عام 1966 ضد إعلان النظام العنصري في روديسيا (زيمبابوي حالياً) نفسه دولة مستقلة وترسيخه هيمنة أقلية بيضاء على أغلبية سوداء (نحو أبيض واحد مقابل 20 أسود).

 

قرر مجلس الأمن حينها فرض عقوبات مختلفة على رودسيا بينها حظر نفطي، لكن من دون اشتراط آلية تنفيذ. انتهى نظام الفصل العنصري هذا بفوز روبرت موغابي في الانتخابات وإعلان استقلال زيمبابوي في 1980، لكن ليس واضحاً مقدار مساهمة هذه العقوبات في نهاية هذا النظام، خصوصاً مع إعلان جنوب إفريقيا، الجارة الجنوبية لروديسيا، حينها أنها لن تلتزم بالعقوبات وتزويدها الأخيرة بالنفط.

 

إزاء صعوبات تشريع وتطبيق عقوبات دولية رادعة في إطار الحرب الباردة، برزت على نحو متزايد العقوبات الأحادية الجانب التي تقوم بها الدول الأقوى اقتصادياً ضد خصومها الأضعف. الاتساع المضطرد للاقتصاد الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية بما عناه من تأثير متزايد للنفوذ المالي والسياسي للولايات المتحدة الأميركية تُرجم الى لجوء الأخيرة للعقوبات الاقتصادية ضد أعدائها الايديولوجيين والسياسيين (كوبا وكوريا الشمالية وإيران وغيرها).

 

في أحيان كثيرة لم تحقق هذه العقوبات أهدافها النهائية وتسببت بعناء الناس العاديين، بدلاً من انهاء النظام السياسي المقصود بالعقوبات او تغيير سلوكه، لكنها نجحت في أحيان أخرى في إنتاج مثل هذا التغيير.

 

ستكون العقوبات المتصاعدة في شمولها وشدتها التي تقودها أميركا ضد روسيا وتدعمها فيها أوروبا الغربية اختباراً جديداً وصعباً لجدوى العقوبات في تغيير السياسات الخطأ، مقابل احتمال وقوعها مرة اخرى في فخ إيذاء الأبرياء دون تغيير في حال صناع القرار الذين صاغوا السياسات الخطأ ولا يعانون منها. ستكشف الأشهر المقبلة أي الاحتمالين سينتصر في هذه المواجهة المفتوحة.