Shadow Shadow

تغطية انتخابات تشرين 2021

العراق .. بيت الأعراق على الأعراف

2021.12.20 - 18:01

خالد صديق عبد العزيز

يا أيها البلد العريق، بمشيئة ربانية كنت وما زلت موطن الأعراق وملتقى الأقوام. لكن أصبحت بلدا منقسما بين المكونات التي كان في الأصل لابد أن توحّدك. ووضْع بُنيانك إهتزاز على إهتزاز وحال أهل بيتك أرَقٌ على أرَقٌ: إلى أين مسيرتنا من الأعراف الذي قد طالت علينا محطته؟ هل سائقون نحو الهاوية أو, وعلى الرغم من كل التشاؤم الحاكم, سائرون إلى روضة خضراء؟

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

إن الخروج من هذا المأزق المظلم يتطلب تحليلا وشرحا ثلاثي الأبعاد؛ أولهم، أنه, هذا يستوجب الفهم الجديد لهوية العراق وحكمة تركيبه المتنوع . وليكون الإدراك لأسباب عدم تناسبية نظامه الإداري والسياسي لمحاكاة سليمة لمثل هذه الهوية والتركيبة وللإستفادة الكاملة منه ليشكل البعد الثاني. ثم الحاجة الملحة لإعادة النظر على مجالات التركيز الرئيسي لِاستراتيجيات وسياسات البلد، وهو ما يمثل البعد الثالث. لنسعى من خلال هذا المقال أن نقدم تصورا متواضعا للموضوع الأول قبل التطرّق إلى باقي المسائل في مقالاتنا القادمة.

 

إنه من البين أن العراق ينقصه التوحد والتمسك دولةً وشعبا، حيث يظهر البلد وكأنه مجموعة من الكتل والفئات والطوائف والكيانات المنفصلة التي تتواجد في مكان واحد طوعا أو كرها. ولكل من هذه الأطراف مجالات إهتمامها وتوجهاتها ومرجعياتها، بل وحتى أجنداتها، فمن الواضح أن علاقتها ببعضها البعض محدودة ومحكومة على مبدأ حماية مصالحها أمام (أو حتى أحيانا ضد) الآخر. ومن المعروف (والمعترف به) أن العراق فشل في مهمة بناء الدولة الحديثة والفعالة، والتي تؤمن لمواطنيها عيشا كريما وأملا في المستقبل. وفي ظل الصراع الداخلي بين الأطراف، من أجل كسب أكثر ما يمكن من الصلاحيات والإمكانيات، تتكرر بين الحين والآخر محاولات المطالبة بالإستقلالية أو الإنفصال العلني، سواء أكانت عن طريق تأسيس الأقاليم الجديدة جنوبا أوغربا أو توجهات الإنفصال شمالا.

 

يمكن أن يوصف (يشخص) حال العراق بالبلد المتعب. وتتجلى حالة التعب من خلال إنعدام رؤية الضوء في آخر النفق، فهو مثقل من التعب بسبب الفساد وسوء الإدارة وعدم الإستقرار، ناهيك عن الضعف الأمني. الأمر الذي يزرع الشك في المواطن فيما إذا كان لمثل هذا البلد مستقبلا في وحدته، أو ربما يكون الإنفصال بين أجزاءه هو الحل القادم والمقدر. إلا أنه بالرغم من كل ذلك، نعتقد أن للعراق الموحد فرصة أكبر ومستقبل أفضل، وهو أمر لا يمكن أن نجنيه إلا بإعادة بناء الهوية. وهذا يدعو إلى الإستيعاب والفهم الجديد في أصل الهوية العراقية، وهنا بالتحديد دعونا لنتوقف ونفهم، ما هي الطبيعة التي يتميز بها العراق؟

 

يمكن تشبيه العراق كمثل المنزل الذي يضم أركان عديدة وأقسام متنوعة ومكملة بعضها للبعض الآخر. ومن أهم هذه الأركان يمكن التمثيل بغرفة "النوم"؛ والذي يمثل مو اضع السكينة والإستراحة، ويمكن أن تشير إلى الهوية الشيعية بما تتميز به من الروحانيات وحب الغيبيات، وما تحمل في صدرها من سر تعايش أحلى الأحلام مع أحزن الآلام.

 

 وفي مقابل ذلك يمكن أن يعبر "المكتب" عن النفسية العملية للسنة العربية، والتي تتميز بطبيعتها نحو النشاط الفكري والإداري أو الوظيفي. ويجاورهما "الصالون" وكما هو معروف هو المكان المخصص لإستقبال الضيوف، والذي تتبادل فيه الحوارات والأنشطة وتبادل الأفكار والخدمات والموارد، وكأنه يمثل دور ومكانة الهوية التركمانية (وبشكل عام؛ معروف عن الأتراك تاريخيا طبعهم التجاري والمهاجري). ليرتفع أخيرا فوق جميع أركان المنزل "السقف"، والذي يمثل بدوره الحماية الكاملة للمنزل من مختلف الأوجه، سواء كانت النوايا التوسعية للإمبراطوريات، أو من مخاطر الإحتلالات أو التهديدات. وهو ما يذكرنا بالأكراد بمهمتهم التاريخية الأيوبية.

 

حضارة الرافدين

وأخيرا؛ ولكي لا ننسى أساس البيت والذي يمكن القول أنه يشير إلى المكون المسيحي والسرياني واليزيدي والصابئين الذين يشكلون القدم التأريخي لحضارة وادي الرافدين.

 

 إن حكمة صنع الله في جعل هذه المكونات تلتقي وتتعايش بشكل متناغم ومتكامل في بلد مثل العراق، يدعونا إلى أن نقف أمام هذا التصوير والتصنيف، لكي نتمكن من إدراكه بشكل صحيح وواقعي. حيث أن كل من هذه المكونات (الأركان) تشكل قيمة مضافة بمفردها ومضاعفة في جملتها. وكأنها الأصابع الخمسة التي لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، بل لابد من ضرورة وجودها معا لتشكل القبضة الحاسمة ضد الإساءة. فالمكون الشيعي يحمل ويمثل مشاعر وعاطفية البلد، وهو يتناغم مع أسرار روح وهوية الإنسان والمجتمعات. والهوية العراقية العريقة تنبثق من العواطف والخزائن المخفية في غيابة جبّ تاريخه ومنه شربت الإنسانية قصص وأحلام ألف ليلة وليلة.

 

وعلى الرغم من أن ذاكرة هذا الشعب تحتوي على الأحزان والآلام، ولكن ما من ألَم وحُزن إلا وأحيا وألهَم شاعرا، ولقد تميز هذا البلد بالشعرائه الذين حوّلوا ملح مشاعرهم المظلمة إلى فرات الأبيات الملهمة والمضيئة. وفيما تمثله سنة العراق من بعدها العقلاني وتجربته الإدارية وكنزه الفكري بالعلماء والمفكرين الذين زيّنوا صفحات تاريخه. فقد ذكر في الأثر التركي القديم، أن الحساب الخاطئ حتما يرجع من بغداد، مشيرا إلى الرقي العلمي الذي وصلوا إليه علماء زمنه. أما الأكراد وما يتميزوا به من طبيعتهم الجبلية الصعبة ونظم المعيشة، يمكن أن يكونوا خير حفظة وحماية للعراق من خلال تمثيله بسقف المنزل.

 

ليأتي التركمان ومن يتميزوا به من سياسية الإنفتاح على الجغرافية الواسعة، والتي تمتد من تركيا إلى بلاد آسيا الوسطى، علاوة على الفرص التجارية المتميزة للعراق ومنها طريق الحرير. وليست الأقليات أقل أهمية أو مساهمة (من كل ما تم ذكره سابقا) بل هي تمثل الحضارات القديمة كأنهم الأساس الذي بني عليهم أساس البلد. وكما يمكن أن تكون قاعدة المنزل هي المخزن النوعي الذي يحفظ فيه كل ما هو زينة وقيمة، فإنه من الواجب أيضا حماية هذه الخزينة الإجتماعية.والسؤال هنا.. أليست هذه هي هوية البيت العراقي بفروعه وأدواره؟ أن العراق لا يمكن أن تعزز قوته ومكانته إلا إذا عزز وقوى هذا التوازن النادر والقيم. وبخلاف ذلك فإنه سيمضي نحو نفق مظلم لا يمكن النظر بأحسن الأحوال تحت مرمى خطواته نتيجة إفساد وطغيان في ميزانه. ومما لا يمكن إخفاؤه، فقد شهد البلد في تاريخه المعاصر النوعين المعاكسين من التقصير والتهميش لأركان توازنه وتناغمه. ففي مجال محدد؛ تصرفت الدولة في النظام السابق لجعل إحدى تلك الأركان تتولى السيطرة الكاملة. من خلال أن تفرض على الجميع كأنها مؤهلة للتحكم ولتمثيل البيت بكامله. وبعد تغير النظام توجه العراق إلى تعزيز وتبجيل كل ركن على حساب البيت بأكمله. والدفع بكل قسم نحو التصرف بشكل يوحي وكأنه بيت مستقل وكافٍ لنفسه.

 

وحدة الشعب

إن كلا التجربتين شكلت صدمة وتقويضا لوحدة هذا الشعب الذي جمعه التاريخ تحت سقف واحد، والذي لا يمكن جعل مكوناته النوعية والفريدة تكون فاعلة وفعالة إلا في التوحد. هكذا عاش وهكذا ينبغي إحياءه، وإلا فإنه سيمضي نحو التآكل والتهالك وإن بقيت صورته حاضرة أمام العيان. ومما لا شك فيه، إن مكوناته الفريدة تتناسب مع بعضها البعض بشكل أكثر من تناسبها العرقي والأقليمي، بل وحتى المذهبي مع مكونات الجوار الجغرافي. إن عدم الفهم والتقدير لهذه الطبيعة الموحدة في إختلافها وتنوعها في وحدتها يؤدي إلى حال إنقسام دولة العراق. الأمر الذي وصل إلى تصور بعض الأطراف أنها الراعية الموصاة على باقي الكيانات الإقليمية المختلفة في العراق. مما يثير الجدل في ما هو مطلوب منه بإتخاذ منهج الراعي لمنفعة البلد، نجده يسعى جاهدا لإيجاد تشكيلات بديلة تسير نحو مصالح الآخرين في داخل بيته. ولذلك علينا أن نعيد النظر إلى ماهية ومعنى هذا التكوين الجميل والمتكامل (العراق) بالرغم من كل متاعبه وإرهاصاته. وذلك من خلال تجنب ورفض كل الأيديولوجيات والتحركات التي تبحث عن زراع النزاع والقلق، وبفضل تعميق الروابط بين أعضاء البدن الواحد أو أركان البيت. من خلال طمس أفكار وتوجهات أولئك الذين يستغلون الخصوصيات المختلفة لكل مكون إستغلالا سيئا وخبيثا. والسعي لاستغلال وجود هذا التنوع نحو التميز والعلو. وعلينا أن ندرك أننا في أواخر مدتنا على هذه الأعراف، وأننا أمام خيارين أحدهما؛ دون ذكر الآخر.. هي العودة لبعضنا البعض والنظر المقدر في وجه أخيه.

 

لقد عانى العراق وما زال يعاني من سوء إدارة ترتيبه الداخلي، بسبب عدم فهم وتقدير لحكمة وقيمة تركيبه. إضافة إلى عدم صلاح المنظومة الإدارية والسياسية، الأمر الذي زاد من مشاكله وتعقيداته. وهو (العراق) بحاجة إلى التفكير بشكل صحيح وجدي في إيجاد المنهج الجديد في الإدارة والسياسة الذي يستطيع من خلاله أن يقدر ويغتنم نقاط قوة خزينه الفذ والمتنوع بإعطاء كل ذي حق حقه. آملين أن نتشارك بآرائنا وأفكارنا والحلول المطروحة معا من خلال المقالات القادمة.

 

في الختام، يا أيها البلد الحبيب المح َبط، نعلم أن:

 

إن كان على قدْر أملك حجم ألمك

 

إعلم أن على قدْر عملك سيعود أملك

 

والخيار لك أن تبقى شاهدا أو تصبح مشهدا

 

في مجالس الأقوام أن تبحث عن مقعد أو تقود قائدا

 

ومقدار قدراتك ليس على قدْر قدَرك

 

بل في مرآة مجهوداتك صورة مستقبلك...  ومستقبلك منور بإذن رب العباد.

 

 

"الزمان"