Shadow Shadow

تغطية انتخابات تشرين 2021

تواصل

في عيدها الـ 86

4 أسباب لاحتجاب ’جارة القمر’.. هل سحب زياد فيروز من مرح الرحابنة إلى العدمية؟

2021.11.21 - 22:57
App store icon Play store icon Play store icon
4 أسباب لاحتجاب ’جارة القمر’.. هل سحب زياد فيروز من  مرح الرحابنة  إلى العدمية؟

بغداد - ناس

خلال المقابلات التلفزيونية التي أجراها الفنان والملحن والشاعر اللبناني زياد الرحباني، في أواخر عام 2018 وبدايات 2019، صرّح بأن هناك أغاني مشتركة بينه وبين والدته فيروز بدأ العمل عليها، وتوقفت بسبب "زعل السيدة"، الذي انتهى بتلفون من زياد، واعدًا الجمهور بألبوم جديد سيصدر قريبًا، ربما يصحح "أحلام ريما" التي خابت بعد استنكار الجمهور والنقاد لما دفعت فيروز إليه في ألبوم "ببالي"، الذي صدر قبل 4 سنوات. لكن الأغاني التي وعد بها زياد لم تخرج حتى الأن، والجمهور لازال ينتظر هذه الـ "قريبًا".

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2010، أصدرت فيروز "آخر" أسطوانة موسيقية لها بعنوان "إيه في أمل"، من كلمات وألحان زياد الرحباني. وبالرغم من هذا الغياب، إلا أن فيروز لا تزال حاضرة يوميًا في محطات الراديو، في التاكسي، في الأوتوبيسات، والكيّات، وحتى الستوتات، على اختلاف الرقع الجغرافية. تغنّي يوميًا من قنوات اليوتيوب والساوند كلاود، بمكبرات الصوت أو الهاند فري والاير بودز، لجمهور متجدد ومتزايد مع تجدد الأجيال.

هذا الحضور الأبدي، حتى في حضرة الغياب، هو ما يثبت أن السيدة فيروز صارت جزءًا من اللاوعي داخل رأس المستمع العربي، ترتبط بالذكريات، والحب، بالحروب، والأحزان. وترتبط، أخيرًا، بتراكمات الإنسان ووجوده العصي.

 

بوهيمية الولد.. أهكذا كلُّ ولد .. أم لم يلدْ مثلها أحدْ ؟! 

يقول بعض محللي الموسيقى إن "الأخوين عاصي ومنصور الرحباني اللذين احتكرا نصف تاريخ فيروز قد صدَّرا من خلالها عالمًا خياليًا فوق المعقول، بينما أخرج ولد عاصي وفيروز، زياد الرحباني، من والدته واقعًا لا يغنّى بسهولة".

حين نعود قليلًا الى أغاني الأخوين رحباني لفيروز، مثل "بتمرجح بقلبك.. قلك أنا بحبك.. قطّف نجوم وسما.. وازرعهن بدربك"، أو "نحنا والقمر جيران"، أو "بكتب اسمك يا حبيبي"، وغيرها؛ نرى أن هذه الأغاني تصدِّر صورًا خيالية مليئة بالرومانسية قصيرة المدى في حياة الإنسان، تتكرر الصور التي تثير البهجة في أغانيهم، فليست "المرجوحة" إلا مرادفًا للمرح واللعب والسعادة.

في حين نرى أن زياد الرحباني، أنزل فيروز الى واقعية الحياة أو فوضوية حياته الشخصية، لتغني مثلًا "معرفتي فيك اجت ع زعل"، أو "انا فزعانة تكون عن جد تنساني”. هذه الكلمات التي تبدو عادية جدًا لفرط بساطتها، ليست سوى تعبيرًا حقيقيًا وتصويرًا واضحًا لقصص الناس، وخوفهم وتناقضات خياراتهم، حيث تركِّز أغاني زياد على الاختلاجات النفسية.. الخوف والفزع، وهذا ما لم يعتده جمهور السيدة في زمن الرحابنة، وربما هذا أيضًا ما لم تعتده فيروز الخيالية.

يقول الموسيقار اللبناني إحسان المنذر الذي يشيد بعبقرية زياد وما قدّمه لفيروز، بأن "زياد بوهيمي في حياته بالرغم من عبقريته"، وهذا ما يدفع الكثيرين لأن يضعوا خطوطًا حمراء حول ما ينتجه مع أمه.

ساهم زياد بكسر الهالة التي أحاطت بفيروز، ليخلق لها منهجًا آخر، وهو التعبير ببساطة عن الأشياء الحقيقية التي يمر بها الإنسان والمرأة بشكلٍ خاص. بالإضافة إلى أن زياد حكى كثيرًا بأنه صنع أغانٍ لفيروز مستمدة من تجاربه الشخصية، مثل أغنية "عندي ثقة فيك"، التي كتبها ولحنها لحبيبته الفنانة كارمن لبس، بعد 15 سنة من علاقة غريبة لم تتطور.

يشير هذا إلى أن زياد طبق رؤيته المختلفة وتجاربه "البوهيمية"، على أسلوب فيروز الغنائي ونهجها الأخير، حيث يعبّر آخر ألبوم لهما "ايه في أمل"، عن آخر المراحل التي تمر بها المرأة في الحب والعلاقات والحياة مجملًا، جامعًا به الملل والعتاب والتناقض والحيرة والتمسك الذي لا خيار سواه، فتقول فيروز "شو بتخبر أصحاب وجيران عني اني محدودة وبغار، وبتحبيني أو يمكن ما بتحبني، وكل الي حملتو منك برجع اتحملو".

فهذا الحس "العدمي" لم تكن فيروز تحمله من قبل زياد، وهذه المسحة الواقعية في الشعور كانت غائبة عن بدايتها مع الأخوين رحباني، حتى أنها تعاتب كأي امرأة بسيطة تعيش في شقة وسط الجميزة أو بيت متهالك في الكرادة، قائلة "قلك قلقانة وأنت تفوت تنام.. يا سلام على حبك يا سلام".

وبالنظر الى ما يقارب الـ 4 عقود من العمل شبه الكامل مع زياد صاحب النظرة العدمية، فمن الممكن أن تكون فيروز قد تأثرت سلبًا بهذه الفلسفة وهذا النمط في اتجاهها الفني. ويمكن أيضًا أن يُعتبر هذا التأثير قد خلق من شخصيتها انسانة كئيبة ووحيدة، ودفعها الى اختيار العزلة والابتعاد عن الجمهور وعدم تقديم المزيد من عدمية ولدها.

في إحدى أغانيها لزياد تقول "محتاجة إنسان"، وهذا ما استغربه المستمعون، كيف تقول فيروز أنها وحيدة وبحاجة لأحد. لكن زياد في أحد تصريحاته يرى العكس، يقول إن "العديد من الأغاني التي قدّمتها فيروز، لم تكن تشعر بها، ولم تكن محسوسة، فهي لم تتشابه مع الأخوين رحباني اللذين حصراها في شخصية مسرحية معينة".

 

بتحبني أو يمكن ما بتحبني.. تردد وتأنٍّ

يحكي زياد في أغلب لقاءاته عن تردد فيروز حول غناء أغانيه، ذلك لما تسببه من "جدل" أحيانًا، واستنكار في أحيانٍ أخرى، وهذا يمكن أن يكون السبب وراء غياب فيروز الذي طال، ويؤكده زياد دومًا، حيث قال إنهما "يعملان على 3 أغاني جديدة منذ العام 2013 لكنها لم تر النور حتى الآن".

"كيفك إنتا.. ملا إنتا" أخذت هذه الأغنية 4 سنوات من التردد قبل أن تقرر فيروز المخاطرة بغنائها، وذلك لأنها وعلى حد تعبيرها "هيدي الملا أنت رح تعمل مشكلة"، وكان شعورها بمحله. فبالفعل، أثارت "كيفك إنتا" حفيظة الكثير من النقاد والجمهور منذ ذلك الحين وحتى الآن. يقول أحد اللبنانيين حول "ملّا إنتا" بأنها "تعبير لا يستخدم كثيرًا لدى اللبنانيين، وربما زياد هو من اخترعه، بينما أن الدارج في اللهجة اللبنانية هو "ملّا واحد"، في إشارة الى الاستصغار وتقليل الشأن حينًا، بينما يأتي في سياقات أخرى بمعنى "يا جميل إنتا"، وهو غزل صريح وفج من فيروز لم يعتد الجمهور عليه".

يقول إحسان المنذر أيضًا: "لدي مآخذ كثيرة على أغنيتي كيفك إنتا وع هدير البوسطة" مثل معظم الأجيال السابقة.

في أول الأمر، كتب زياد ولحن أغنية "ع هدير البوسطة" للفنان جوزيف صقر، ضمن مسرحية "بالنسبة لبكرا شو"، في أواخر السبعينات ليسمعها والده عاصي، ويطالب بشرائها مقابل 500 ليرة لبنانية كما يروي زياد.

لكن هذه الاغنية فتحت أفواه الكلام لأول مرة على فيروز، مثيرة الجدل في كيفية أن تقول فيروز الهادئة والحالمة الحكيمة و"الأخلاقية" ربما، شيئًا مثل "يخرب بيت عيونك يا عليا شو حلوين". وليس هذا فحسب، بل تستمر لتصف إحدى النساء ببشاعة الشكل والهيئة، فتقول في أحد كوبليهات الاغنية "فيه واحد هو ومرتو ولو شو بشعة مرتو".

يقول أيضًا أحد الشباب المحبين لفيروز: "لقد كانت تغني القصائد والفصحى والشعر ذا الصور المتعددة الخلاقة، بينما صارت تغني العامية البسيطة مع زياد". ويضيف مستدركًا "لكن جيلنا الشاب لم يكن لديه أي مشكلة مع هذا، بينما الأجيال التي سبقتنا كانت غير منفتحة وتعتبر فيروز مقدسة ولا يجب أن تكون ضمن المستوى الذي صنعه زياد".



من وطنية "بحبك يا لبنان" إلى سياسة "خلصوا الأغاني هني ويغنوا ع الجنوب"

ظلت فيروز تسير على طريقها الذي بدأته مع عاصي ومنصور، في عدم التعاطي مع السياسة التفصيلية وما يدور حولها داخليًا، حيث استمرت حتى خلال الحرب الأهلية في لبنان وفي ظل الظروف المربكة التي عاشتها هناك من دون أن تتخذ طرفًا، أو تعبِّر عن آرائها الخاصة، واكتفت بأن تغني للقضايا السياسية الصعبة بوطنية مطلقة.

لكن جاء زياد ليغير هذا.. بدأ ابنها ما أسماه "بالحرشة"، حينما أخبر فيروز عن أغنية "أهو ده اللي صار" لسيد درويش، قبل أحد حفلاتها في القاهرة، ليتركها من دون محاولة للإقناع، بل مكتفيًا بـ "حركشتها" لتغني أغنية ربما تكون ذات أبعاد سياسية أو ذات تفسيرات لا تود فيروز الخوض فيها. وهذه كانت أحد الخطوات الأولى لتغيير مكانة فيروز لتجلس بين الناس وتكون معهم، فغنّت "تلوم عليا ازاي يا سيدنا"، في ثاني حفل لها في القاهرة بالعام 1989، بسبب "حرشة" زياد.

غنّت فيروز بعدها في بيت الدين، عام 2000 بعد انتهاء الحرب، مجموعة أغاني من ضمنها "خلصوا الأغاني هني ويغنوا عالجنوب.. خلصوا القصايد هني ويصفوا عالجنوب.. وإذا واقف جنوب واقف بولادو"، من كلمات وألحان زياد.

ليأتي بعدها زياد المعروف بجدلية مواقفه السياسية، بعد أكثر من 10 سنوات ويصرح أمام الملأ أن "فيروز تحب السيد حسن نصر الله"، وهذا التصريح سبّب لاحقًا "زعل الأم من ولدها"، وسبب القطيعة التي دامت أكثر من سنتين، ويفسر هذا غضب فيروز من تسييس موقعها وصورتها الوطنية، وربما هذا سبب آخر جعل السيدة تبتعد عن الجمهور والانتاج والتعامل مع زياد كل هذه الفترة.



طموح ريما.. واسطوانة محبطة لفيروز

في عام 2017، طرحت فيروز مع ابنتها ريما ألبومًا بعنوان "ببالي"، يضم أغان مقتبسة لحنًا وكلمة من مجموعة من الأغاني الكلاسيكية الغربية.

قوبلت الأسطوانة الأخيرة بعدم الرضى والانتقاد من الجمهور والنقاد الموسيقيين، حيث اعتبروا أن الأغاني "لا تليق بمستوى فيروز، ولم تكن ضمن ما يتوقعه وينتظره الجمهور المتعطش".

اعتبر الكثيرون أن هذا الألبوم ليس سوى تجربة خاطئة تتحمل ريما الرحباني مسؤوليتها. في حين أن زياد لم يتحدث كثيرًا حول الموضوع، مكتفيًا بالقول في أحد تصريحاته "كيف بدي كون راضي إذا ما كان حدن راضي".

فهل تسبب طموح ريما بإحباط فيروز؟ خاصة وأنها لم تعتد على "عدم الرضى الكامل من الجمهور"؟ لم تُنسى أغاني فيروز التي صدرت منذ أكثر من نصف قرن، بينما نُسي ألبومها الأخير في غضون شهور كأنه لم يكن أبدًا.

 

وهذا قد يطرح فرضية أن فيروز قد أُحبطت مؤخرًا، واختارت أن تبقى بسلام هادئة من دون أي إنتاج جديد. خاصة أن ظهورها الأخير في لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يبيِّن أنها لا تزال بصحة جيدة، وبأنها قادرة على تقديم المزيد.

وحول الشكوك بأن عمرها الذي تجاوز الثمانين عامًا قد شكّل عائقًا في طريق تقديم المزيد، يقول زياد إن "صوت والدته لازال جيدًا، وهناك نوع محدد من الأغاني والموسيقى يحضر لهذه الطبقة من الصوت".

في نهاية المطاف، فإن ما يهم الجمهور المنتظر لفيروز هو القادم من الأغاني الجديدة التي وعد بها زياد، فهل أن القريب منها يبتعد بسبب "التردد"؟ أم أنها ستخاطر بشكل أقل مع زياد، وتطل علينا بجرأة وثقة التملك الأبدي للمحبين؟

 

"الترا صوت - زهراء سعدون"