Shadow Shadow

تغطية انتخابات تشرين 2021

’المقاومة’ تصنع ’الاحتلال’

حارث حسن

باحث أول في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على العراق، والطائفية، وسياسات الهوية، والقوى الدينية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع. حائز على دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة سانت آنا للدراسات المتقدمة في بيزا - إيطاليا وماجستير في التواصل السياسي من جامعة ليدز. وكان زميل أبحاث في جامعة أوروبا الوسطى ومدير مشارك لمشروع: توثُّب الأطراف: الدين والدولة والتفكك في المشرق العربي . شغل منصب باحث أول غير مقيم في مجلس الأطلسي، حيث كان يدير برنامج العراق، وباحث في معهد رادكليف للدراسات المتقدمة في جامعة هارفارد، وزميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة برانديز.

’المقاومة’ تصنع ’الاحتلال’

2021.11.20 - 22:43

حارث حسن

بغداد - ناس 

في زمن الاستعمار وصعود حركات التحرر الوطني، ظهرت  فكرة ان الاستعمار والاحتلال يبرران المقاومة، ومع تكرس افكار الاستقلال وسيادة الشعوب، واختلاطها بالايديولوجيات المناهضة للامبريالية والمدافعة عن المضطهدين  (بفتح الطاء)، اكتسبت فكرة المقاومة جاذبية اكبر، بل وتدريجيا اصبحت ايديولوجيا مهيمنة في العديد من البلدان.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

لكن اين نضع "المقاومة" في بلد لا يوجد فيه احتلال؟، انتهى احتلال العراق رسميا بتسلم الحكومة المؤقتة مسؤولياتها عام ٢٠٠٤، وعمليا بانسحاب كامل القوات الامريكية عام ٢٠١١ حيث احتفلت حكومة المالكي بما اسمته ترددا بيوم "الجلاء.

 

يعرف العراقيون معنى الاحتلال، كانوا يرونه في كل يوم عند رؤية الهامرات والدبابات الامريكية والجنود الأجانب المدججين بالسلاح، ولكن لأسباب يعرفها معظمنا وليس هنا موضع مناقشتها، اختلفوا حول المقاومة وضرورتها وشكلها وغاياتها.

 

ولكن اليوم، عندما تتحدث بعض القوى عن الاحتلال، فهي تتحدث عن شيء آخر لا علاقة له بمعنى الاحتلال قانونا أو ممارسة، ليس فقط من حيث تجاوزها لحقيقة ان مجموعة من عدد محدود من القوات الاجنبية جاءت بدعوة من الحكومة العراقية، وأن عدداً مهما من الفاعلين السياسيين العراقيين - بمن فيهم الحكومات المنتخبة - دعموا هذا الوجود، بل  ايضا  في زعمها بان لديها حقا مشروعا (من منح هذا الحق؟) لجر البلد الى صراع مسلح مع طرف تنفرد وحدها بتسميته بالاحتلال؟، والسؤال هنا اذا كان وجود حوالي ٢٥٠٠ جندي أمريكي في مواقع عسكرية مع قوات عراقية وبدون الانخراط بعمليات قتالية يسمى احتلالا، فهل غياب هؤلاء الجنود غير المرئيين سينهي الاحتلال؟، أليس من المحتمل أن يتم مط مفهوم الاحتلال اكثر ليشمل اشياء أخرى؟.

 

هنا، يميل البعض لاستبدال الحديث عن الاحتلال بالحديث عن نقص السيادة، ولكن هذا الحديث ينتمي في تصوراته الى منتصف القرن العشرين والفكرة الطوبائية عن السيادة المطلقة، اما في عالم اليوم فليست هناك سوى سيادات نسبية، فبسبب العولمة والاعتمادية المتبادلة والانترنيت والتداخل العابر للحدود، حتى دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين ليس بوسعها ادعاء امتلاك سيادة مطلقة، وحتى لو قبلنا هذا الفهم العتيق للسيادة، ففي عالم اليوم صارت اهم مصادر تهديد الامن القومي والمجتمعي هي الاوبئة والجفاف وتغير المناخ والفقر وفشل الدول بالقيام بوظائفها، ومع تراكم كل هذه الاشياء ماهي القيمة المرتجاة من السيادة في دولة مختلة؟.

 

امام هذا الواقع، يبدو اننا امام حالة نقيضة لماعرفناه تاريخيا، فبعد ان كان الاحتلال سببا في ظهور المقاومة، صارت "المقاومة" أو اياً من شاء ان يطلق هذه التسمية على نفسه وفصيله، تخترع "الاحتلال" لتخترع لوجودها مشروعية لا أساس لها في واقع سياسي يفترض انه قائم على فكرة الديمقراطية وحكم القانون، مع فجوة هائلة بين هذه الفكرة وواقع اليوم، وهي فجوة اسهمت الجماعات المتشبثة بشرعيات غير دستورية بتوسيعها وتعميقها.