Shadow Shadow

تغطية انتخابات تشرين 2021

الانتقال بين الائتلافات في ضوء المادة (45) من قانون الانتخابات

2021.10.13 - 09:56

حسين الحاج حمد

نصت المادة (45) من قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم (9) لسنة 2020 على (لا يحق لأي نائب أو حزب أو كتلة مسجلة ضمن قائمة مفتوحة فائزة بالانتخابات الانتقال إلى ائتلاف أو حزب أو كتلة أو قائمة أخرى إلا بعد تشكيل الحكومة بعد الانتخابات مباشرة، دون أن يخل ذلك بحق القوائم المفتوحة أو المنفردة المسجلة قبل اجراء الانتخابات من الائتلاف مع قوائم أخرى بعد اجراء الانتخابات).

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

أولا: غاية النص ومدى دستوريته

 

عالج المشرع بالنص أعلاه ظاهرة حدثت بُعيد الانتخابات السابقة، ومن الممكن ان تحصل عقب كل انتخابات، وهي ظاهرة انتقال المرشحين الفائزين بين القوائم، ولا تقف عند هذا الحد، بل تستمر أيضا حتى بعد انعقاد مجلس النواب الجديد، وهي ظاهرة تؤدي إلى عدم الاستقرار، وتفتح المجال أمام المزايدات السياسية، والتلاعب بموازين القوى النيابية بناءً على مصالح شخصية ضيقة، بالضغط على النواب ببعض الامتيازات مقابل الانشقاق من كتلهم، والانتقال إلى ائتلاف أو كتلة أخرى، لذلك نصّ المشرع على منع انتقال أي نائب أو حزب أو كتلة مسجلة ضمن قائمة مفتوحة فائزة بالانتخابات إلى حزب أو كتلة أو ائتلاف أو قائمة أخرى.

 

أما بخصوص دستورية النص فيمكن القول بأنه ليس هنالك تعارض بين النص أعلاه والدستور، فالمشرع يملك سلطة تقديرية بموجب المادة (49/ ثالثا) من الدستور التي جرى نصها بالآتي: (تنظم بقانون شروط المرشح والناخب وكل ما يتعلق بالانتخاب).

 

فنص المادة (45) من قانون الانتخابات يندرج ضمن النص الدستوري أعلاه، الذي اشترط أن تنظم شروط المرشح والناخب وكل ما يتعلق بالانتخاب بقانون يصدر عن مجلس النواب بسلطة تقديرية واضحة دون مخالفة الدستور، وإن مسألة منع الانتقال بين الائتلافات عقب الانتخابات تدخل ضمن عبارة (كل ما يتعلق بالانتخاب).

 

زيادة على ذلك فإن المنع الذي أوجده المشرع وإن كان يقيد حرية التعبير عن الرأي المنصوص عليها دستوريا، إلا أنه لا يتقاطع مع الدستور؛ لأن الأخير لا يعرف حقوقا مطلقة بل نسبية، يمكن أن يرد عليها بعض القيود، وهذا المنع أحدها، كما إنه منع مؤقت بالمدة التي حددها المشرع - كما سيتضح لا حقا - ومن ثم فهو لا يصادر جوهر حرية التعبير عن الرأي بشكل مطلق مادام مؤقتا، وهذا أمر معقود لمجلس النواب ضمن سلطته التقديرية المعترف بها بموجب المادة (46) من الدستور.

 

ثانيا: مضمون النص ودقته

حدد المشرع مدة منع الانتقال ما بين اعلان نتائج الانتخابات وحتى تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، وفي الحقيقة لم يكن المشرع موفقا في تحديد مدة المنع بالصيغة أعلاه فحدوث هذه الظاهرة وآثارها لا يتوقف على المدة التي حددها النص، بل من الممكن أن يتحقق ذلك الانتقال في أي وقت تاركا آثارا لا تقل خطورة عن نظيرتها التي قد تتحقق في المدة المشمولة بالمنع، ولأي غرض كان، فقد يكون لغرض اسقاط الحكومة والوعد ببعض الامتيازات مقابل الانتقال.

 

زيادة على ذلك فإن هذه الظاهرة ستكون حاضرة -وبقوة- في حالة انتهاء عمل الحكومة بشكل غير طبيعي وتشكيل حكومة جديدة، فتظهر هنا حالة الانتقال للأسباب نفسها التي دفعت المشرع إلى منع الانتقال، مما يستلزم أن يغطيها النص بالمنع، لذلك كان على المشرع أن يجعل المنع شاملا الدورة الانتخابية لمجلس النواب كلها، وبالمضمون الذي سنحدده لاحقا، للحد من هذه الظاهرة سواء أكان عند تشكيل الحكومة عقب الانتخابات، أم تشكليها بعد الانتهاء غير الطبيعي لعملها للإقالة أو الاستقالة أو غيرهما.

 

لا شك بأن صياغة النص أعلاه مرتبكة، ويبدو للوهلة الأولى التعارض بين صدرها وعجزها، إلا أنه يمكن القول بأن الانتقال الممنوع بموجب النص أعلاه هو الذي يحدث نتيجة انشقاق نائب أو حزب أو كتلة من قائمة أو ائتلاف قائم قبل الانتخابات، فالمعيار بحسب ما يرشح من النص، وبما لا يؤدي إلى استحالة تشكيل الحكومة هو الانشقاق من تكتل معين والانتقال إلى تكتل آخر، فالنص قد حدد منع الانتقال بمن كان ضمن قائمة مفتوحة فائزة في الانتخابات، وهذا ما يؤكد صفة الانشقاق التي تسبق عملية الانتقال.

 

وبناءً على ذلك فإن الانتقال غير المسبوق بانشقاق لا يشمله المنع، وهذا ما أكده النص بجواز ائتلاف القوائم المسجلة قبل الانتخابات مع قوائم أخرى، فالنص وإن كان قد حدد الجواز بالقوائم المفتوحة والمنفردة - ولا يفهم معنى المفتوحة إلا بالمستقلين وهو وصف غير دقيق - إلا أنه يمكن أن يشمل كل نائب أو حزب أو كتلة في أن تأتلف مع غيرها؛ مادامت علة المنع غير متوفرة، وهي الانشقاق من تكتل قائم، والقول بغير ذلك لا يتفق مع غاية النص، زيادة عن أنه قد يؤدي إلى استحالة تشكيل الحكومة إذا انصب المنع على الائتلافات كلها.

 

ونستخلص من ذلك جميعه الآتي:

1-    أن الممنوع بحسب الفهم المتقدم هو:

  • انشقاق نائب من حزب أو كتلة أو ائتلاف، والانتقال إلى حزب أو كتلة أو ائتلاف آخر.
  • انشقاق حزب أو كتلة من ائتلاف، والانتقال إلى حزب أو كتلة أو ائتلاف آخر.

 

2-    أما المسموح بحسب ما تقدم جميعه هو:

  • انضمام نائب أو مجموعة نواب مستقلين إلى حزب أو كتلة أو ائتلاف أو مجموعة من النواب المستقلين.
  • تحالف حزب أو كتلة غير منضمين سابقا إلى ائتلاف معين، مع حزب أو كتلة أو ائتلاف ما.
  • انشقاق نائب أو مجموعة نواب من حزب أو كتلة أو ائتلاف دون أن ينتقلوا إلى حزب أو كتلة أو ائتلاف آخر.

 

ثالثا: مدى جدية معالجة المشرع

بغض النظر عن مضمون النص وغايته فإن المنع الوارد فيه قد يتحول إلى أمر نظري مجرد من أي أثر، إذا لم يلتزم به طواعية، فإزاء هذا المنع سنكون أمام فرضيتين:

 

1-    التزام المشمولون بالمنع من ذاتهم ويمتنعوا عن الانتقال غير المرخص لهم قانونا، وهنا تتحقق غاية النص، إلا أن هذه حالة مثالية مقابل الفرضية الثانية.

 

2-    إمكانية خرق النص والمنع الوارد فيه بشأن الانتقال بين الائتلافات، وهي فرضية من الممكن تحققها واقعا، إلا ان النص لم يقرر لها جزاءً معينا يفرض على من قام بها، وهذا ما يقلل من شأن التنظيم الذي جاء به المشرع، ويجعله مجرد التزام نظري غير مقترن بجزاء معين، فغاية النص لا تتحقق بالمنع وحده، وإنما تتحقق أيضا بما يستتبعه ذلك المنع من جزاء، وهذا ما لم يقرره المشرع العراقي في النص مدار البحث، مما يفتح المجال أمام خرق هذا المنع مادام النص غير متبوع بعقوبة معينة تفرض على المخالف.

 

وهذا الموقف للمشرع العراقي نجده على خلاف نظيره المصري الذي كان أكثر دقة في هذا المجال عندما حدد جزاءً على مخالفة المنع الوارد في المادة (6) من قانون مجلس النواب المصري التي جرى نصها بالآتي: (يشترط لاستمرار العضوية بمجلس النواب أن يظل العضو محتفظا بالصفة التي تم انتخابه على أساسها، فإن فقد هذه الصفة أو غير انتماءه الحزبي المنتخب على أساسه أو أصبح مستقلا، أو صار المستقل حزبيا تسقط عنه العضوية بقرار من مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وفي جميع الاحوال لا تسقط عضوية المرأة الا إذا غيرت انتمائها الحزبي أو المستقل الذي انتخبت على أساسه). 

 

وبذلك يكون المشرع المصري موفقا عندما حدد جزاءً يبدو رادعا لكل من يغيّر انتماءه الذي انتُخب على أساسه، وهو اسقاط العضوية بقرار من مجلس النواب.

 

ولا يمكن القول بإمكانية تطبيق هذا الجزاء على خرق المنع الواردة في القانون العراقي؛ كون اسقاط عضوية نائب منتخب من الشعب قرار مهم وجوهري - ولذلك اشترط المشرع المصري اتخاذه بأغلبية ثلثي المجلس - ولا يمكن تطبيقه من دون نص يقضي به بشكل صريح، ومادام هذا النص غير موجود فيستلزم عدم اسقاط عضوية النائب أو النواب الذي خالفوا المنع الوارد في المادة (45).

 

وفي ختام هذا المقال نقترح النص الآتي كحل بديل لنص المادة مدار البحث يأخذ بنظر الاعتبار الملاحظات المتقدمة وهو:

 

(أولا: لا يجوز لأي نائب أو حزب أو كتلة مسجلة ضمن ائتلاف معين قبل الانتخابات، الانشقاق منه والانتقال إلى حزب أو كتلة أو ائتلاف آخر طيلة مدة الدورة الانتخابية، وتسقط عضوية كل من يخالف ذلك بقرار من مجلس النواب يتخذه بالأغلبية المطلقة لأعضائه.

 

ثانيا: لا يشمل المنع أعلاه الحالات الآتية:

 1- انضمام نائب أو مجموعة نواب مستقلين إلى حزب أو كتلة أو ائتلاف أو إلى مجموعة من النواب المستقلين.

2- تحالف حزب أو كتلة غير منضمين سابقا إلى ائتلاف معين، مع حزب أو كتلة أو ائتلاف.

3- انشقاق نائب أو مجموعة نواب من حزب أو كتلة أو ائتلاف دون أن ينظموا إلى حزب أو كتلة أو ائتلاف آخر.

 

ثالثا: يحق لمن اسقطت عضويته بموجب الفقرة (أولا) من هذه المادة الطعن بقرار مجلس النواب خلال 30 يوما من تاريخ صدوره أمام المحكمة الاتحادية العليا، على أن تصدر المحكمة قرارها في الطعن خلال 30 يوما من تاريخ تسجيله لديها).