Shadow Shadow

تغطية انتخابات تشرين 2021

كاظم الساهر: اللحظة الفاصلة..

2021.10.01 - 13:12

أحمد سعداوي

كنت غارقاً في الموسيقى الكلاسيكية ومسحوراً بأغاني عبد الله رويشد في الوقت الذي كان فيه زملائي في المدرسة الثانوية، أواخر الثمانينيات، يسمعون لفنان صاعد اسمه كاظم الساهر، بأغاني إيقاعية راقصة مثل أغنية "لدغة الحيّة" و"يالعزيز" و"غزال" اكتسحت الساحة وصارت تذاع في كلّ مكان، في الأسواق والمقاهي، من الإذاعة والتلفزيون وأجهزة التسجيل الصغيرة التي تعمل بالبطاريات، والتي يدور بها المراهقون في الأزقة والأحياء الشعبية كنوعٍ من التباهي، وإيضاً لجذب انتباه الفتيات من وراء نوافذ البيوت.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  


لكن شهرة الساهر، في واقع الحال، جاءت قبلها بعام تقريباً، حين غنّى تايتل مسلسل "نادية" الذي بثّه التلفزيون العراقي في اكتوبر 1988، وهو مسلسل رومانسي من 24 حلقة، بطولة الفنان حسن حسني وممثلة شابة لم تؤد غير هذا العمل اسمها "أمل سنان".

كانت أغنية "شجاها الناس" التي غناها الساهر لتايتل المسلسل تتردّد بشكل يومي، ورسّخت صوته واسمه في أذهان الناس، بعد مشوار استمر خلال عقد الثمانينات لم يثر الانتباه كثيراً بأغاني ذات نفس سبعيني [متأثرة بشكل ومضمون الأغنية السبعينية العراقية التي تعتبر نقلة نوعية في الغناء العراقي].

شيئاً فشيئاً، بسبب اجتهاده ومثابرته، تحوّل الساهر إلى النجم الأبرز على الساحة الغنائية العراقية، وخرق الحدود التي وقف عندها المطربون من جيله والجيل السابق عليه، وأثار ذلك غيرة وحسد الكثيرين، وشنّت من يومها، وحتى يومنا هذا، محاولات تسقيط وتشهير للتقليل من قدراته الإبداعية، أو قيمة ما أنجزه للموسيقى والغناء العراقي والعربي.

كثيراً ما تذاكرنا عبر الهاتف، أنا وصديقي الشاعر والقاص باسم الانصار، مزايا ما أنجزه الساهر من إبداع، وكنّا نتّفق على أنه لم يكن مجرد مطربٍ أو مؤدٍّ، وإنما هو مغنّي من طراز رفيع، كما أنه ليس مجرّد ملحّن وإنما موسيقي، وقد أبدع في الألحان والغناء مثلما أبدع في إنتاج موسيقى تثري الميلودي اللحني العراقي والعربي.

بالنسبة لي لا أستطيع أن أتذكر حياتي الجامعية من دون أن أتذكر أغاني الساهر، فهي كانت رفيقتنا في كل محطّاتنا النفسية والعاطفية، بالإضافة إلى أغاني الرويشد وإبراهيم تاتليس، فهذه الأسماء الثلاثة ترمز عندي إلى الجزء الأكبر من عقد التسعينيات. وهي ما زالت أسماء كبيرة حتى الآن ولم تخيّب ظنّ محبيها.

لست ناقداً موسيقياً ولن أتجرأ للقيام بدور مماثل، ولكن استناداً إلى خبرة جمالية شخصية، ومحاولات قراءة ثقافية، فإنه يمكن القول؛ أن تاريخ الموسيقى والميلودي العراقي الحديث منذ بدايات القرن العشرين كان ينتعش بالتثاقف مع الميلودي الشامي والمصري، وحتى الفارسي والتركي، كما في بعض أغاني زهور حسين (1918-1964)، انطلاقاً من التراث المحلّي الذي أساسه موسيقى ريف وبادية وتواشيح وتراتيل دينية مع "جالغي" ومقام عراقي بغدادي متأثر بالأنماط التركية والفارسية.

كانت النقلة الأكثر جرأة هو ما قام به جيل الملحن الكبير طالب القرغولي في السبعينيات، بنقل الميلودي الريفي الجنوبي العراقي بالتثاقف مع الميلودي المصري (تجربة بليغ حمدي بالدرجة الأساس) لينتج لنا تركيبة جديدة أنعشت الغناء العراقي، وغطّت على ما كان يعرف بالغناء البغدادي، الذي كان يهيمن قبلها على بثّ الاذاعة والتلفزيون الرسمي في العراق.

ما قام به الساهر، كملحّن، هو النقلة الجريئة الثانية باتجاه التثاقف مع الميلودي المصري والعربي عموماً، ثم تثاقف مع الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية، في توظيف خلّاق وآداء غنائي استثمر إمكانيات حنجرته القوية باتجاه مديات تتجاوز التطريب العراقي التقليدي، إلى توظيف إمكانات الغناء الأوبرالي [وهي ملاحظة يركز عليها صديقي باسم الانصار دائماً]. في المحصلة ذهب الساهر إلى منطقة تخصّه وحده، فهي منطقة "ساهرية" ليست عراقية صرفة ولا عربية بهوية موسيقية محدّدة. وفي هذه المنطقة أنتج روائع مثل "أنا وليلى" أو "مدرسة الحب" وأغنيات كبيرة في شريطه "حبيبتي والمطر". من دون أن يترك تماماً التطريب العراقي في بعض الأغنيات الذي يذكّر ببدايات شهرته مع أغاني ذات طابع شعبي محلّي.

هذه الخصوصية في تجربة الساهر خلقت الكثير من سوء الفهم، تحديداً حين يتم مقارنته مع معايير التطريب العراقي، فهو بالتأكيد لا يخضع لها. وإنما يجب أن تفهم تجربته في سياق خلّاقين كبار مثل محمد عبد الوهاب وتجربته بالتثاقف مع الموسيقى الغربية.

حسب قول أحد المفكرين العراقيين؛ فإن أبرز ما أنتجته حقبة التسعينيات في العراق ثقافياً هي تجربة كاظم الساهر، وهذا يعني عبوراً بالإنجاز على حدود الأنواع الإبداعية كلّها في ذلك الوقت، ولهذا السبب ربما، فهو ثقافياً بالنسبة لي من أبرز ملهميّ الإبداعيين، ليس لمجرد ما قدّمه جمالياً وذوقياً، وإنما لتقديمه نموذجاً عن شخصية المثابر المخلص الذي يسيطر على مسار حياةٍ يراد لها أن تكون في خدمة الإبداع، وليس للعبث وتضييع الوقت.

بالقراءة الثقافية فإن تجربة الساهر هي لحظة فاصلة في الثقافة العراقية، والموسيقى والميلودي العراقي تحديداً، بغض النظر عن الأحكام الذوقية المتنوّعة التي تحبّ أو لا تحبّ هذه الأغنية أو هذا المطرب، فالذائقة شخصية في نهاية المطاف، وليس فيها خطأ أو صواب.

أي مطرب عراقي شاب اليوم، حين يقف ليغني في أي مكان، حتى وإن لم يتأثر بأغاني الساهر ولم يسمعها في حياته، سيجد آثار الساهر قبله مرسومة على خشبة المسرح.

 

عن: منصة الاستقلال الثقافية