Shadow Shadow

تغطية انتخابات تشرين 2021

قصصنا

’هددوا الشاب بأخواته وأمه’

’سايكوباثيون’ يعشّشون داخل أجهزة الأمن العراقي.. لا استقالات ولا إقالات بعد فضيحة بابل

2021.09.21 - 19:57
App store icon Play store icon Play store icon
’سايكوباثيون’ يعشّشون داخل أجهزة الأمن العراقي.. لا استقالات ولا إقالات بعد فضيحة بابل

بغداد – ناس

كأن الزمن قد توقف بالعراق في لحظة تسعينيات القرن الماضي، رغم أن البلاد دفعت عشرات آلاف الضحايا قرباناً للتخلص من النظام السابق وأجهزته "القمعية" وهو الوصف الذي تُطلقه القوانين العراقية النافذة على أجهزة أمن نظام صدام حسين، معتبرةً أن وصف "قمعية" لا ينطبق على أجهزة أمن النظام الحالي، دون أن يكون ثمة دليل ملموس على ذلك، خاصةً بعد أن صُدِم العراقيون بتفاصيل "جريمة" انتزاع أجهزة الأمن في بابل اعترافاً من أحد الشبان بارتكاب جريمة قتل لم تحدث، بعد استخدام شتى أساليب التعذيب. 

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

وتسببت قضية الشاب "علي الجبوري" بموجة غضب عارمة لدى الرأي العام العراقي، لجهة كمية الاستفزاز الذي تسببت به، حيث تم إجبار شاب بريء، على الاعتراف بارتكاب جريمة قتل، تحت التعذيب والتهديد بـ"جلب أخواته وأمه" وفقاً لإفادة "المتهم البريء" الذي لم يوفر له انتماؤه إلى الجيش العراقي -وخدمته أقصى غرب الانبار في منطقة القائم- حمايةً من السلوكيات المألوفة لعناصر مكاتب مكافحة الإجرام. 

 

إقرأ/ي أيضاً: التفاصيل الكاملة: أجهزة الأمن تختلق جريمة من العدم وتجبر بريئاً على الاعتراف بارتكابها! 

 

 

فشل في التحقيق.. فلماذا ميزانيات السلاح؟

وبعيداً عن ما خلفته حملة القمع الممنهج ضد تظاهرات "تشرين" من القتلى والجرحى والمعاقين، الذين تساقطوا أمام كاميرات الصحافة بنيران القوات الرسمية وغيرها، فإن مراكز وزارة الداخلية العراقية، وتحديداً مكاتب مكافحة الإجرام، تخفي خلف جدرانها سيلاً من الانتهاكات التي لا تقل وحشية، ولا تستهدف في بعض الأحيان انتزاع المعلومات بل "التسلية والسادية" وفقاً لمنظمة حقوقية، الأمر الذي يضيء على ضرورة إخضاع عناصر أجهزة الأمن العراقي إلى فحوصات نفسية للتحقق من سلامتهم ومدى أهليتهم لحمل السلاح وامتلاك سلطة اعتقال واحتجاز المواطنين العزّل.

 

ولا تقتصر خطورة ملف جريمة "بابل" على الانتهاكات الوحشية التي تعرض لها المتهم، بل تسلط الضوء أيضاً على فشل الأجهزة الأمنية وبقية السلطات المعنيّة، التي لم تتدرب لتتمكن من تمييز الاعترافات الصادقة من المُختلقة، رغم أن ميزانية الوزارات الأمنية تتربع على رأس قائمة الإنفاق العراقي، حيث يدفع العراقيون معظم أموال ثرواتهم للإنفاق على وزارات وأجهزة الأمن والعسكر، ولذا فقد استخدم معظم المُعلقين العراقيين على وسائل التواصل الاجتماعي مفردة "فضيحة" في وصف ما جرى.

 

علي يشعر بأقرانه: هناك الآلاف غيري

وبعد أن كُتِبَت له النجاة، يقول الشاب "علي الجبوري" لتلفزيون دجلة، في أول ظهور له بعد الإفراج إن "الآلاف يتعرضون لما تعرض له".

وقدم "ناس" خلال السنوات الماضية تغطيات تفصيلية لعدة جرائم تعذيب تورطت بها أجهزة الأمن العراقي، على رأسها قضية وفاة الشاب "ماهر الرماحي" تحت التعذيب في النجف، منتصف العام 2019، ووفاة الشاب "هشام محمد" في البصرة، ودون أن تعلن السلطات عن أية عقوبات بحق القتلة، وهي اثنتان فقط من عشرات القضايا المُعلنة، والآلاف من غير المُعلنة، حيث تكتفي السلطات بالتعليق على القضايا التي تنال انتشاراً إعلامياً، ثم تغلق الملف بإعلان تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الحادثة.

 

للمزيد:

هل ارتكب مكتب مكافحة إجرام في النجف جريمتين؟.. قتل شاباً بالتعذيب ثم زعم وفاته بالفشل الكلوي!

 

مقتل ’هشام’ جريمة جديدة تهز البصرة: طلب شربة ماء فسقاه الضابط ركلة على رأسه!

 

لا تعويضات في قاموس السلطة

وبينما أسس رموز النظام الحالي خطاباتهم السياسية على نبذ جرائم النظام السابق، فإن الوقائع التي تتكشف تباعاً منذ ما يقرب من عقدين، لا تُشير إلى وجود إرادة أو توجه لطيّ صفحة امتهان كرامة مواطني العراق، فحتى بعد تشكيل اللجان التحقيقية التي تُسفر معظمها عن إفلات الجناة من العقاب، لا تقوم السلطات بتعويض ضحايا التعذيب مادياً عن الضرر الجسدي والمعنوي الذي يلحق بهم جراء سلوكيات عناصر أجهزة الأمن أو العسكر، رغم أن الدستور الذي يمنح المسؤولين شرعية تسلم مناصبهم، ينص أيضاً على وجوب ضمان سلامة العراقيين، كما في المادة 37، ج: "يحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الانسانية، ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه وفقاً للقانون".

وفي هذا السياق، لم تمضِ أيام على نشر "ناس" تفاصيل قضية قيام القوات الأمنية بتسديد قنبلة غازية إلى وجه الصحفي "هشام وسيم"، الذي سلك المسار القانوني الوارد في المادة الدستورية الآنفة، إلا أن السلطات حكمت له في النهاية بمبلغ 15 مليون دينار، تعويضاً عن تشويه وجهه واقتلاع جزء من أنفه، ورقم قبوله بالمبلغ الذي قال إنه لا يساوي ربع ما أنفقه على العلاج، قدّم محاميا الخصم "القائد العام للقوات المسلحة" طلباً للاستئناف، وتقرر في النهاية أن يحصل الضحية على مليون دينار فقط، أي نحو 700 دولار أميركي.

 

تفاصيل القضية: مليون دينار تعويض لصحفي شوّهت قنبلة غازية وجهه أثناء تغطية تظاهرات تشرين!

 

لا تحقيق قبل "طشة" جريمة عنصر الأمن

وفي العادة، لا تصل قصص التعذيب إلى الإعلام والرأي العام، إلا حين يتوفى المُعتقل أو يُصاب بعاهة مستديمة، أو يُفتضَح أمر القصة كما في "قضية بابل" حين "سقطت السلطات في الفخ" وأعلنت على لسان قائد شرطة المحافظة اللواء علي الشمري "اعتقال مجرم قتل زوجته" ليتبيّن فيما بعد أنها على قيد الحياة.

 

وقبل نحو شهرين، ظهر اللواء علي الشمري، بصحبة عدد من الضباط –في مشهد مثير ترافقه موسيقى تصويرية بوليسية!- وهم يُجرون كشف الدلالة للجريمة المزعومة وسط تصوير كاميرات الإعلام، وبحضور مدير إعلام شرطة المحافظة العميد "الحقوقي!" عادل الحسيني، وضابط التحقيق في الجريمة المُختلَقة العقيد أحمد هادي محمد، والإعلامي علي الحيدري، وهو أحد إعلاميي البرامج الترويجية للأجهزة الأمنية. وينقل أحد ذويي الشاب "علي" أن الأخير "توسّل بالإعلامي لمساعدته في كشف الحقيقة، إلا أن الأخير زجره بكلمات مسيئة". ولم يصدر حتى ساعة كتابة التقرير، تعليق من مدير مكافحة إجرام بابل العميد محمد حسين جايع.

 

 

تراجع الثقة ببيانات القوات الأمنية بسبب "الإنجازات الوهمية"

وتنتج وسائل إعلام عراقية عدة برامج تقوم فكرتها على اصطحاب أشخاص تقول السلطات أنهم مجرمون، ليتحدثوا عن ما قاموا به في مسرح الجريمة، بينما يتحدث ضباط خلال تلك البرامج عن "مدى مهارة عناصرهم في تحقيق الانجازات وكشف الجرائم"، واعتاد مقدمو تلك البرامج على "أخذ راحتهم" ولعب عدة أدوار أمام الشاشة، من بينها دور المحقق، والمربّي، والناصح، والتعامل مع ما تقوله أجهزة الأمن بوصفه "حقائق مطلقة" لا تستدعي إثارة التساؤلات الصحفية.

كما تنشر قيادات الشرطة والعمليات في بغداد والمحافظات بيانات شبه يومية عن اعتقال مجرمين، إلا أن تلك البيانات أصبحت تدريجياً مثار شك طيف من الصحفيين الذين بدؤوا يفضلون عدم نشر تلك البيانات، لصعوبة التحقق من صدق محتواها، حيث تشيع في الأوساط الأمنية أقاويل عن "فبركة انجازات" من قبيل العثور على أكداس متفجرات وغيرها، من أجل تسجيل "انجازات" في سجل نشاطات المفارز.

 

وبالعودة إلى "قضية بابل" فقد سبق الصحفي "عيسى العطواني" بنشر أول موجز عن القضية، أكد فيه "الإفراج عن المُعترف بقتل زوجته بعد العثور عليها"، قبل أن تنتشر القصة وتضطر قيادة شرطة بابل إلى إصدار بيان تُعرب فيها عن "استغرابها"، كما قال محافظ بابل حسن منديل أنه "شكل مجلساً تحقيقياً".

 

وعلِم "ناس" من مصادره الخاصة، أن الشاب "علي" تعرَض لانتهاكات جنسية، فضلاً عن محاولة تعليقه وخلع أكتافه وضربه على أقدامه "فلقة" وصعقه بالكهرباء فترات طويلة، لإجباره على إرضاء رغبة محققي "مكافحة الإجرام" والاعتراف بجريمة غير موجودة، واستمرت آخر جلسة تعذيب من الساعة الثامنة مساءً حتى الثانية بعد منتصف الليل، حين قرر "علي" الاستسلام والموافقة على قول ما يريده الضباط.

 

"المتعة والسادية"

وفي محاولة لفهم ما يجري، سبق أن قالت مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، "سارة ويتسن"، أن "متابعات المنظمة توصلت إلى أن عمليات التعذيب التي يقوم بها عناصر في القوات العراقية تجري غالباً من أجل المتعة وتعبيراً عن دوافع سادية وليس من أجل انتزاع معلومات"، ورغم تعاظم الانتهاكات الجسيمة، واختراع أساليب جديدة للتعذيب، يتعلق معظمها بالانتهاكات الجنسية، لا تكتفي وزارة الداخلية العراقية بإهمال ملف الانتهاكات، وتوفير الإفلات من العقاب لعناصرها المتهمين، بل لا تعلن أيضاً عن أية حملات أو دورات للتحقق من السلامة النفسية والعقلية لعناصرها.

 

ويغرق العراق في مستنقع سحق حقوق الإنسان، بينما تمارس بعثة الأمم المتحدة –وتفرعاتها-  بميزانيتها وجيش موظفيها الذي يتجاوز 500 موظف محلي وأجنبي، مهامها في العراق دون اكتراث ملموس، فيما تُلقي ممثلة البعثة "جينين بلاسخارات" تغريدةً مقتضبة في بعض الأحيان التي يتعاظم فيها غضب الرأي العام.