Shadow Shadow

تغطية حراك تشكيل الحكومة.. لحظة بلحظة

نزيهة الدليمي

رأي

{AUTHDETILE}

نزيهة الدليمي

2019.01.25 - 21:49

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

سلوى زكّو

كانت آخر مرة رايتها فيها وهي ترأس الوفد العراقي في مؤتمر اتحاد النساء الديمقراطي الذي انعقد في موسكو, الزمن اوائل آذار 1963, وجرح 8 شباط ما يزال ينزف في العراق, كان الوفد العراقي محط انظار الوفود كلها, ونزيهة يعرفها الكل هناك فلقد كانت شخصية نسوية عالمية.

رأيتها تدور بين الوفود مثل نحلة دؤوب تعقد الاجتماعات بعد الجلسات حتى منتصف الليل لتشرح قضية العراق, بعد ذلك مرت السنوات ولم التق بها الى ان شاهدت امس شريط الفيديو الذي سجلته لها انعام كجه جي قبيل رحيلها, كانت تلك النحلة قد كبرت وانحنى ظهرها لكنها هي نزيهة نفسها التي عرفتها بتواضعها وتلقائيتها ودفء حديثها, لم تنل منها سنوات المنفى وعزلته بعد كل تلك الحياة الضاجة التي عاشتها.

كثيرون لا يعرفون عن نزيهة الدليمي غيرانها كانت اول وزيرة في العراق وفي المنطقة, وقد يأتيك جاهل بتأريخ بلاده فيقول لك: ثم ماذا؟ عديلة ايضا وزيرة!

كانت الوزارة جزءا من فتات ما قدمته هذه الطبيبة الدليمية للعراق, كانت هي وجمع من رفيقاتها وراء صحوة جيل كامل من النساء بعد سبات قرون, عرفت المرأة العراقية عن طريق رابطة المرأة انها نصف المجتمع وان لها حقوقا على الدولة والمجتمع بل وحتى داخل اسرتها الصغيرة, حضرت يوما جلسة صلح بين زوجين اختلفا بعد ان ضرب الزوج زوجته في لحظة غضب فشكته عند (الدكتورة), لم تقل نزيهة شيئا للرجل غير جملة واحدة: "يصير هيجي يا ابو فلان صارلنا سنين نحجي وهاي النتيجة؟", أشفقت على الرجل وهو يذوب خجلا في ملابسه, وعندما برقت في عيني الزوجة لمعة انتصار نالها بعض من الكلام ايضا, لا أظن ان الزوج عاد الى فعلته تلك بعد ذلك.

كنا نقلد نزيهة في بساطة ملبسها وبعدها عن التكلف في المظهر, انا حتى اليوم لا اعرف كيف اضع المساحيق على وجهي او اسير بكعب عال او امشي في الشارع مدندشة بالاساور والقلائد, كانت تلك رسالة الى المجتمع تقول نحن بشر لنا عقول تفكر ولسنا هنا للزينة وللتفرج علينا, كل بنات نزيهة كن يشبهنها في البساطة والتواضع ودفء المعشر, سافرة جميل حافظ, ومبجل بابان, وبشرى برتو, وماري داوود, وحياة النهر, وبثينة شريف, وخانم زهدي, وعميدة الرفيعي, وزكية خليفة.

وهذه الاخيرة بعد ان كبرت اخذ الناس يلقبونها بالعمة زكية لكني رأيتها يوما وهي في مطلع شبابها في لقاء عقد بحديقة احد البيوت البغدادية, كانت ذات جمال فطري لافت, الوجه الصقيل الذي حمصته شمس الجنوب والقوام الممشوق والعينان الخضراوان, وقفت تتدفق بالحديث بلهجتها الجنوبية تروي لنساء المدينة معاناة المرأة في الريف مع الاقطاع ومع قيمه المتخلفة.

سرت عدوى نزيهة والرابطة لتغطي خارطة العراق, واحترم كثير من الرجال خيار نسائهم, كنت ارى بعضهم وهو يوصل زوجته الى مقر الرابطة يسير الى جانبها باعتزاز وكأنه يقول للمارة هذه زوجتي الرابطية, كان هذا بعضا مما صنعته هذه النخلة العراقية.