Shadow Shadow

النفط بين ’الأمن السيبراني’ و ’التغير المناخي’

2021.05.13 - 09:30

أنس بن فيصل الحجي

أصبحت الهجمات الإلكترونية أكبر خطر يهدد أمن الطاقة في العالم، وما يميزها عن الهجمات التقليدية على منشآت الطاقة أن تكلفتها بسيطة وتتم عن بعد، ربما من الطرف الآخر من العالم. والحقيقة المرة أن الأمر لا ينطبق على منشآت الطاقة فحسب، وإنما على كل شيء في حياتنا.  

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

ويذكرني هذا الحديث بتقرير نشرته الحكومة الأميركية عام 1999 عن الآثار المحتملة لتحول الحواسيب إلى عام 2000، حيث كان هناك تخوف كبير من أن الحواسيب ستتوقف، لأن التواريخ التي استخدمت في برمجتها لم تحسب حساب الأرقام فوق 2000. وخلص التقرير إلى أن أكثر المناطق أمناً في العالم لاستخراج النفط في حالة حدوث مشكلة إلكترونية هي العراق، لأن صناعة النفط العراقية وقتها كانت متخلفة رقمياً بسبب الحروب والعقوبات. وهذا الموضوع يفسر أحد أسباب تأخر عودة الإنتاج العراقي بعد الاحتلال الأميركي للعراق، هاجر عدد كبير من خبراء صناعة النفط العراقية. ولما جاء الخبراء الأجانب، لم يعرفوا كيف يتعاملون مع الآبار العراقية بالطرق التقليدية لأن خبراتهم كلها "كمبيوترية"!  الفكرة هنا أن التحول الرقمي زاد المخاطرة، وهدد أمن الطاقة العالمي مقارنة مع الماضي.  

ومن الملاحظ على مؤتمرات الطاقة في السنوات الأخيرة، التركيز على موضوع التحول إلى المكننة والآلية والعمليات الرقمية. إلا أن هذا التحول المكلف تأتي معه مخاطر جديدة منها الهجمات الإلكترونية، ومنها ولد موضوع الأمن السيبراني. وكلما زاد الاعتماد على العمليات الرقمية، كلما زادت المخاطرة، ولهذا فإن أكبر مهدد لانتشار السيارات ذاتية الحركة مستقبلاً هو احتمالية السيطرة عليها إلكترونياً من قبل عصابات أو أجهزة استخباراتية، والتحكم بمسارها وأبوابها وكل أجهزتها.  لهذا فإن قول المؤيدين لهذه السيارات بأنها ستلغي ملكية السيارات، وستؤدي إلى المشاركة غير صحيح. وقولهم بأنها ستوفر الوقت غير صحيح أيضاً. كل ما علينا أن نتصور أن شخصاً أرسل أولاده إلى المدرسة بسيارة ذاتية الحركة، ليتصل به شخص من روسيا ويخبره أنه تم تحويل مسار السيارة إلى مكان مجهول، ولن يتم الإفراج عنها إلا إذا تم تحويل مبلغ من المال على شكل عملات رقمية إلى حساب معين. 

وقف الضخ في أنابيب "كولونيال" نتيجة عملية قرصنة أعاد للأذهان موضوع "طوابير البنزين" الذي يذكر الكهلة بطوابير البنزين في النصف الأول من السبعينيات، والأجيال التي بعدها بأعاصير خليج المكسيك. وتم وقف الضخ في الأنبوب، الذي ينقل حوالى 2.5 مليون برميل من المنتجات النفطية إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة، أو ما يمثل حوالى 45 في المئة من استهلاك المنطقة، بعد أن تمكنت عصابة إجرامية من اختراق حواسيب الشركة الأم وهددت بإغلاقها، ومن بعدها نظم الأنابيب، إذا لم تحصل على فدية بحلول وقت معين يوم الجمعة الماضي. ولما رفضت الشركة دفع الفدية نفذت العصابة وعدها وأغلقت الحواسيب أو الملفات، التي أدت بدورها إلى إغلاق أنظمة الأنابيب. 

موضوع الأمن السيبراني في قطاع الطاقة شغل الخبراء وصناع القرار منذ التسعينيات، وهناك مئات التقارير والدراسات التي تركز على الموضوع، بخاصة في مجال الكهرباء. وما حدث في موضوع الأنابيب ليس جديداً، حيث حصل على مستوى عالمي سابقاً، كما حصل في الولايات المتحدة في مارس (آذار) 2020، عندما تم إغلاق أنبوب غاز لمدة يومين. ويشير الخبراء إلى وجود هجمات أخرى، ولكن الشركات لا تريد الإفصاح عنها. وتشير التقارير إلى أن الهجمات على أنظمة الكهرباء تكاد تكون يومية، نجح بعضها في السنوات الماضية، إلا أنه تم منع أغلبها. 

وعادة ما تقوم بهذه الهجمات هيئات متخصصة مدعومة بأجهزة استخبارات دول أخرى، أو عصابات إجرامية، أو هواة. وتهدف الدول الأخرى إما إلى إحداث دمار لأنظمة الطاقة وزعزعة الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي في البلد المستهدف، أو لمجرد الحصول على أسرار تجارية وصناعية. إلا أن العصابات الإجرامية تهدف إلى الابتزاز وجمع المال، كما هي الحال في الحادثة الأخيرة.  

والمشتبه فيهم في مهاجمة منشآت الطاقة الأميركية هم، روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران وإسرائيل، إلا أن الولايات المتحدة من أكبر اللاعبين في هذا المجال، حيث تقوم بأعمال مماثلة في الدول المذكورة وغيرها. كما يشتبه بأن إسرائيل تقوم بعمليات سيبرانية تخريبية في دول أخرى، بخاصة إيران. 

وعادة ما نسمع عن الأعمال السيبرانية التخريبية، ولكن عمليات التجسس لا نسمع بها، وغالباً تتم ولا تكتشف إلا بعد سنوات.  

والمحزن في الأمر أن الرئيس جو بايدن جاء للبيت الأبيض على أنه الرئيس الذي سيركز على الأمن السيبراني، ورفع مستوى التمثيل عن طريق خلق وظائف رفيعة المستوى حتى في البيت الأبيض للتركيز على هذه المشكلة، إلا أن هذا لم يمنع من حصول هجمات ضخمة على قطاعات مختلفة من الاقتصاد الأميركي، كان آخرها الهجوم على أنبوب "كولونيال". 

النفط بين فكي الكماشة

أي انقطاع لإمدادات النفط بسبب الهجمات الإلكترونية، سواء كان قصيراً أو طويل المدى، ينعكس سلباً على النفط. فهذه الهجمات لا تؤدي إلى خسائر المنتجين والناقلين للإيرادات، ولكنها تؤدي أيضاً إلى تشويه سمعة النفط بسبب حصول عجز في الإمدادات، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية من جهة، واعتبار أن النفط مصدر غير آمن من جهة أخرى.  

المشكلة أن أعداء النفط يستغلون موضوع العجز في الإمدادات وارتفاع الأسعار للتركيز على أنه مصدر غير آمن، ومن ثم فإن أنصار التغير المناخي يستغلون هذه الأحداث لصالحهم للتأكيد على ضروة التحول الطاقي الذي يتضمن التحول إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من جهة، والسيارات الكهربائية من جهة أخرى. 

من هذا المنطلق، نجد أن النفط سيعاني من الطرفين، على الرغم من أن الواقع يشير إلى أن عدد الهجمات على شبكات الكهرباء أكبر بكثير من الهجمات على المنشآت، وقد نجح بعضها تاريخياً، ومن أشهرها ما حصل في أوكرانيا عام 2014. ولا يمكن استبعاد احتمال أن تنقطع الكهرباء عن الملايين من الأميركيين أو الأوروبيين يوماً ما بسبب الهجمات الإلكترونية على محطات الكهرباء أو الشبكة. عندها، لا يهم إذا كان مصدر الكهرباء الفحم أو الطاقة المتجددة. وعندها ستتوقف السيارات الكهربائية عن العمل إذا استمر الانقطاع لفترة طويلة. طبعاً سيكون الأثر أقل في الأشخاص الذين يملكون المال لشراء سيارات "تيسلا" وأسطح الطاقة الشمسية ومحطة "تيسلا" الكهربائية، إلا أن بقية المجتمع التي لا تستطيع أن تتحمل هذه التكاليف ستعاني بشكل كبير. 

لهذا فالأولى بدعاة التغير المناخي أن يقفوا مع صناعة النفط بدلاً من أن يستغلوا الموقف لمهاجمتها. الهجمات الإلكترونية لن تفرق "بيئياً" بين مصادر الطاقة، فالهدف إما التخريب أو جمع المال، بغض النظر عن الآثار البيئية لمصدر الطاقة المستخدم. كل صناعات الطاقة مهددة، ومن ثم يجب تعاونها معاً لصد هذه الهجمات ومنعها من تحقيق أهدافها.  

إلا أن احتمال قيام بعض صناع القرار اليساريين باستغلال الحادثة لتمرير قوانين مؤيدة للتغير المناخي ومعادية للنفط لا يزال قائماً. لكن هذا سيوقعهم في ورطة في مجال آخر، كل مشكلات الطاقة في الولايات المتحدة داخلية، ولا علاقة لها بدول "أوبك"، وهذا يتضمن هذه الهجمة الإلكترونية، ومن ثم فإن التصويت على قرار "لا أوبك" الذي يقضي بمحاكمة دول المنظمة في المحاكم الأميركية بتهمة الاحتكار، ورفع الأسعار، لا يتعدى كونه تمثيلية سياسية وتجاهلاً لما يحصل في أرض الواقع.