Shadow Shadow

دراما رمضانية

2021.04.29 - 22:59

أحمد سعداوي

قبل عقدين أو ثلاثة عقود كانت صالات السينما هي المصدر الأساسي لمتعة متابعة الأعمال السينمائية العربية والعالمية، بالإضافة إلى شاشة التلفزيون الرسمي الذي لا يَبُثُّ إلا ساعات محدّدة من النهار، ولا يعرض الكثير من الأعمال السينمائية والدرامية.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

اليوم هناك مكتبات كاملة يمكن الدخول إليها من خلال الهاتف المحمول، ويمكن لأي شخص أن يستمر في مشاهدة الأعمال السينمائية والدرامية على مدار الساعة، إن رغب في ذلك.

استعدتُ بعض الأعمال التي شاهدتها على شاشات السينما، أو تلك التي عُرِضَتْ على التلفزيون العراقي الرسمي في وقت من الأوقات، وحاولتُ بالمشاهدة الثانية أن أستعيد شيئاً من المشاعر والأجواء النفسية للمشاهدة الأولى.

كان هناك مزاجٌ معيّن لشيء اسمه "الدراما العراقية" لا يجعلنا نقارنها بالدراما العربية، التي كان التلفزيون العراقي يشتري نسخاً منها في مواسمها، أو بعد انتهاء عرضها في القنوات العربية بمدّة. ورغم أنها قليلة لكن التلفزيون العراقي كان يعرض بعض الأعمال الدرامية العالمية، لعل من أشهرها في الشارع العراقي مطلع الثمانينيات من القرن الماضي المسلسل الصيني "حافّات المياه" المليء بالأكشن والمغامرة.

اليوم مشاهدات الدراما العالمية المتيسّرة لأي مشترك في منصّة نيتفلكس أو مواقع القرصنة العربية للأعمال الدرامية العالمية، صارت أكثر غزارة من مشاهدات الدراما المحلية والعربية عموماً، وصارت وسائط مثل الهاتف المحمول والأجهزة اللوحية، وحتى شاشات التلفزيون المرتبطة بالإنترنت، قادرة على إزاحة القنوات الفضائية باعتبارها المنافذ الطبيعية لعرض الأعمال الدرامية. بل إن انتظار مواعيد العرض لعمل درامي مهم على قناةٍ ما، غدا شيئاً ثانويّاً، فبالإمكان مشاهدة العرض في أي وقتٍ يختارُه المستخدم.

في المحصّلة؛ تدرّبَتْ عينُ المشاهد العربي على هذه الأعمال العالمية، وصار المزاج المحلّي [العراقي في مثالي أعلاه] مهدّداً بمزاجٍ أكثر سعة، تفرضه معايير فنية وتقنية لأعمال درامية عالمية نشاهدها بكثافة على مدار العام.

هناك اليوم "مزاج عولمي" يفرِضُ نفسه على المشاهدين، بغض النظر عن مستوى الوعي والثقافة، وصار هؤلاء المشاهدون قادرين على إجراء مقارنات سريعة بين مستوى الأعمال العربية والمحلّية وتلك العالمية.

الأمر، من وجهة نظري، لا يتعلّق بالقدرات التقنية والإنتاجية، فهذه ممكنة، وأغلب شركات الإنتاج والقنوات الفضائية العربية الكبرى اليوم تعتمد على أجهزة وخبرات فنية مشابهة لتلك العالمية، ولكن يبقى شيءٌ ليس في صالح الدراما العربية إن قورِنَتْ بالعالمية؛ ألا وهو النصّ وطريقة المعالجة الدرامية.

ما زالت الأعمال الدرامية العربية في غالبيتها تعبّر عن توجُّهات إيديولوجية، أو تخصُّ خطاب السلطة، أو تراعي مزاج المؤسسة الدينية، وغيرها من السلطات التي تحدّ من مساحة حريّة التعبير، وتساهم بشكلٍ فاعلٍ في توجيه الخطاب الدرامي باتجاهات معيّنة.

ما زالت الدراما متأخرة خطوةً عن مسار التنوير وتفكيك السائد من التصوّرات، وصدم المشاهد بحقائق ومعطيات مبنيَّة على الدراسة والبحث.

على سبيل المثال، أستحضر دائماً مع نفسي ذلك العمل الدرامي الوثائقي العظيم الذي أنتَجَتْهُ ناشيونال جيوغرافيك بثلاثة أجزاء؛ الأول عن حياة أينشتاين، وبُثَّ في 2017، والثاني عن بابلو بيكاسو وبُثَّ في موسم 2018. والموسم الثالث كان عن المغنّيَة والكاتبة  أريثا فرانكلين، وعُرِضَ في 2020.

الملفت في هذه السلسلة الدرامية، ليس حجم الإنتاج الضخم فحسب، ولا الحبكة الدرامية والإمكانات الفنية والتقنية الفائقة، وإنما طريقة التعامل مع سيرة عَلَمٍ من الأعلام. إن أينشتاين أو بيكاسو يظهران في هذه السلسلة الدرامية كبشر، يشبهان غيرهما من البشر، بكل النواقص والاختلالات، وأيضاً بكل ما في البشر من إصرار ودوافع خلّاقة.

ما يجري مثلاً في الدراما العربية أن شخصيات الأعلام التي تُنْتَج عنها أعمال درامية تبدو للمشاهد مثل الملائكة، ويتجنّب صنّاع العمل إظهار التناقضات في هذه الشخصية أو تلك، خشية ردّة فِعْل المشاهدين، أو اعتراضات أقارب الشخصية، والدعاوى القانونية والمحاكمات وما إلى ذلك.

أيضاً ما زالت ثنائية الشيطان والملاك تتحكّم في صناعة الشخصية العادية في الدراما، وهناك قلّة من الأعمال التي تُظْهِر الشخصيات المركّبة باعتبارها هي الشخصيات الواقعية، وأن الشخصيات ذات البُعْد الواحد غير موجودة على أرض الواقع.

كما أن فكرة العقاب القَدَري يلاحق أقدار الشخصيات الشريرة دائماً، وهذا كما نعرف لا يشبه الواقع. لا يحصل الطيبون على مكافآتٍ دائماً، ولا يتعرّض الأشرار للعقاب القانوني أو القدري دائماً أيضاً.

إن التعزية الخيالية التي يُوَفِّرُها العمل الإبداعي لا تعني التبسيط المقارب للتسطيح، وإنما فكرة أن هناك معنىً ما، خلف كل هذه التناقضات في الحياة، حتى وإن لم يكن هناك اتفاقٌ عام على وجود هذا المعنى.

إن الدراما اليوم هي أداةٌ خطيرةٌ لبَثّ القيم والأفكار، تنافس الوسائل الأخرى المعرفية والفنيّة، وبسبب خطورتها ربّما تتحكم الحكومات والمؤسسات التابعة للدولة في خطاب الدراما، بما يناسبها، لا بما يناسب القيم الإنسانية الشاملة، أو بما يناسب البحث الجاد عن الحقيقة التاريخية مثلاً. وحتى نحصل على مؤسسات إعلامية وإنتاجية مستقلّة تقوم بهذا الدور، محميَّة بسلطة القانون في بلداننا، فإننا سنبحث عن هذه القيم الإنسانية الشاملة في منصّات العرض الأجنبي للأعمال الدرامية والسينمائية.

 

منصة الاستقلال الثقافية