Shadow Shadow

تغطية حراك تشكيل الحكومة.. لحظة بلحظة

اغتراب طلابي

رأي

{AUTHDETILE}

اغتراب طلابي

2018.12.26 - 09:29

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

مصطفى عبادة

الاصل اللاتيني للمصطلح (اغتراب ـ alienation)، هو (alienation) وهذا الاسم مستمد من فعل (alienare) ويعني: عمل شيء، وخطفه من قبل الآخرين.

ترتبط ظاهرة الاغتراب، بطبيعة البشر؛ إذ أن لها أصولا دينية، تمتد حتى الى مفهوم اغتراب "آدم وحواء عن الجنة"، وانعزال الانسان عن الله. لكن جان جاك روسو وغيره من جماعة العقد الاجتماعي، كانوا قد جردوا هذا المفهوم من المسحة الدينية. بل قال روسو إن الاغتراب، كان يقصد به ايضا كمفهوم طبي في العهد اللاتيني، ليشير الى مرض الصرع والجنون وانفصام شخصية الفرد.

وبالتالي، فان ظاهرة الاغتراب، بجميع معانيها وتعدد مفاهيمها، لا يمكن أن تقوم إلاّ على اساس واحد، وهو التناقض، سواء أكان تناقضا داخليا أو خارجيا، أي تناقض الانسان مع ذاته أو مع بيئته الاجتماعية والطبيعية.

انطلاقا من هذه المعاني الموجزة للاغتراب، وجدتُ أنّ هذا صفة لم تنسلخ عن أغلب طلبة الجامعات الذين التقي بهم، مرارا، في حُرَمات الجامعات، المقاهي ومكان العمل. إنّما هم يكوّنون تيارا خارج حركة واقع المجتمع الذي نعيشه.

إنّ مرد امتصاص فاعلية الوعي لدى هؤلاء الطلبة، ترتبط بشيئين. اعتقد انهما يتحكمان بمادتهم الفكرية الاساسية؛ سلوكيات الاحزاب السياسية بمختلفها، والارتهان الى العالم السيبراني.

بالتأكيد، أن ضرر هذين العاملين يطال جميع فئات وطبقات المجتمع، لكنني أفترض أن يكون طلبة "التعليم العالي"، أقل تأثرا. إذ تمارس أغلب تلك الاحزاب، في اطار المجتمع، وظيفة واحدة، لا تتجاوز فعل "التجهيل"، وصقله وتنميته. وليس انتاج "مثقفين سياسيين اختصاصين، وقادة ومنظمين لجميع الفعاليات والوظائف التي يستلزمها التطور العضوي، لمجتمع متكامل" ـ مدنيا وسياسيا ـ كما يقول غرامشي.

معروف أن استمرار بقائها ـ الاحزاب ـ في مواقعها، انما هو مرتهن باستمرارية فعل "التجهيل"، وبمحاربة الثقافة بمفهومها الشامل الذي وضعه الانثروبولوجي البريطاني تيلور، كأول تعريف للثقافة عام 1871، فهو يرى أنها "ذلك الكل المعقد، الذي يتضمن المعرفة، والمعتقد، والفن، والأخلاق، والقانون، والمادة، وأية قدرات اخرى وعادات اكتسبها الانسان كعضو في المجتمع". بينما على الدوام لا تريد تلك الأحزاب لا سيما الحاكمة منها، للنشاط والانتاج الفكري والروحي الذي ينجزه المثقفون، أن ينهض. انما السلطات، على اختلاف انظمتها، خبرت ذلك منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حين كانت هناك مساحة كافية، لأن ينتج المثقفون مبادئ وأفكارا سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، أثرت الحياة التي كانت معاشة حتى الثمانينيات، لتسود بعد ذلك ثقافة التخلف والعداء، والتي تواصل هذه الاحزاب تغذيتها منذ قرابة 16 عاما، من بعد النظام الدكتاتوري بقيادة صدام حسين (1979 ـ 2003). وطلبتنا كانوا أول من تلقّم الثقافة الثانية، التي تعكس طبيعة تلك الاحزاب بمختلف تناقضاتها.

فهم في أحاديثهم المستمرة معنا، يشعروننا بأنهم خارج الجامعات، غير حائزين على هويتها. انما هم فاعلون، بقوة، في أناقتهم، وسامتهم، وأيضا وظائفهم الحيوانية: الأكل والشرب وممارسة الجنس.

وإزاء النزعة التكنولوجية ـ العالم السيبراني ـ، نلاحظ ذلك الاغتراب ايضا معهم؛ فمع الانجذاب الى الافكار السطحية والادمان على التواصل ـ غير المجدي ـ داخل ذلك العالم، لا يمكن الحديث عن أي مشروع حضاري يمكن ان يقوم به هؤلاء الطلبة، طالما يبقى يسيرهم ذلك العالم، من دون رقابة واعية على غاياتها.

أخيرا، يفهم المثقفون انه ممكن جدا ان يتم اقحام الوعي في هذا الاغتراب، وجعله عاملا ثوريا، كما فعل الفيلسوف الالماني بروتولد برشت، في كتاباته الفلسفية والمسرحية ضمن نظريته "تكتيك الاغراب"، التي تمثل شكلا من الاشكال المسرحية، بهدف ابراز الاغتراب من خلال توظيف اجتماعي، يحدث وعيا اجتماعيا لدى المتفرج، عبر ايديولوجيا معينة، تعالج الاغتراب من زاوية محددة، لكي يزيل الاغتراب عن الانسان، ويساعده على أن ينتقل الى ايديولوجيا جديدة، أو وعي جديد.

فبعد ان يكتشف الانسان اغترابه في نفسه، يجعله هذا يتخذ موقفا يهدف الى التغيير، ورفع الاغتراب.