Shadow Shadow

المحكمة الاتحادية العليا بين التشريع والتعديل (أولا)

2020.10.24 - 00:07

حسين شعلان حمد

أثارت المحكمة الاتحادية العليا عند نفاذ دستور 2005 جدلا واسعا حول دستورية تشكيلها، في ظل الاختلاف الحاصل بين قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004 والدستور الحالي، من حيث تشكيل المحكمة، واختصاصاتها.

إلا أن حدة الخلاف زادت عقب الحكم بعدم دستورية المادة (3) من قانون المحكمة رقم (30) لسنة 2005 التي أعطت لمجلس القضاء الأعلى ترشيح أعضاء المحكمة، وما ترتب على ذلك الحكم من نتائج تمثلت باختلال النصاب، وعدم قدرة المحكمة على عقد جلساتها، في ظل اشتراط قانونها الإجماع لعقد جلساتها.

ولا يخفى أهمية وجود المحكمة وتمكينها من ممارسة اختصاصاتها، ولاسيما الرقابة على دستورية القوانين، إلا أن الاستحقاقات الدستورية المقبلة عززت من هذه الأهمية، بضرورة معالجة مشكلة اختلال نصاب المحكمة، تمهيدا للمصادقة على نتائج انتخابات مجلس النواب.

وفي ظل توجه مجلس النواب نحو تعديل قانون المحكمة الحالي لغرض إيجاد آلية معينة لترشيح أعضاء المحكمة نجد أن هنالك عقبتين أمام هذه المحاولة هي: استبعاد الآلية السابقة التي قضت المحكمة بعم دستوريتها، والنص الدستوري الذي يستند إليه مجلس النواب في التعديل.

 

استبعاد الطريقة السابقة لترشيح أعضاء المحكمة

يستند تشكيل المحكمة الاتحادية العليا الحالي إلى قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004، وقانونها رقم (30) لسنة 2005، والمرسومين الجمهوريين رقم (67 في 30/3/2005) و (2 في 1/6/2005)، ومن ضمن إجراءات ذلك التشكيل اختصاص مجلس القضاء الأعلى بترشيح الرئيس والأعضاء، وهو التكوين الذي بقيت عليه المحكمة بعد نفاذ دستور 2005.

وعلى الرغم من الخلاف الفقهي الحاصل حول دستورية ذلك التشكيل، لكنه استمر حتى الحكم بعدم دستورية المادة (3) من قانون المحكمة، بقدر ما يتعلق منها باختصاص مجلس القضاء الأعلى بترشيح رئيس المحكمة وأعضائها بموجب قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم (38 اتحادية/ 2019 في 21/5/2019).

وبذلك فقد أسس هذا القرار لمشكلة اختلال نصاب المحكمة بعد أن أغلق باب الترشيح لعضوية المحكمة في ظل إمكانية انتهاء العضوية.

وهو ما تحقق بالفعل عند إحالة أحد أعضاء المحكمة إلى التقاعد، ووفاة عضو آخر، الأمر الذي أقعد المحكمة عن ممارسة اختصاصاتها سواء المستمرة كالرقابة على دستورية القوانين، أو المنقطعة كالمصادقة على نتائج انتخابات مجلس النواب.

وإزاء هذه المشكلة تحركت الأوساط النيابية نحو تعديل قانون المحكمة بما يؤمِّن ديمومتها، إلا أن هذه المحاولة تعترضها عقبة قانونية تتمثل باستبعاد اللجوء إلى الطريقة السابقة في ترشيح أعضاء المحكمة، وعدم منح الأمر مرة أخرى لمجلس القضاء الأعلى، بعد أن قضت المحكمة بعدم دستورية هذا الاختصاص.

مما يجعل مجلس النواب أمام خيارات ليس من بينها الطريقة السابقة، بسبب ما تمتاز به قرارات المحكمة الاتحادية العليا دستوريا من البتات، وإلزام السلطات كافة، ومن آثار ذلك الإلزام التزام مجلس النواب بعدم تشريع نص قانوني يخالف ما قضت به المحكمة في قرارها السابق.

إلا ان ذلك الاستبعاد يبدو غير منطقي، ويتنافى مع الأصول السليمة في تشكيل القضاء الدستوري، إذا علمنا أن المحكمة الاتحادية العليا هي هيئة قضائية بصريح نصوص الدستور، وإن إشراك خبراء الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون في عضوية المحكمة لا يطمس صفتها القضائية، ولذلك فإن العنصر القضائي له الغلبة في عضوية المحكمة حفاظا على طبيعتها القضائية.

وإذا كان أغلبية أعضاء المحكمة هم من القضاة فإن استبعاد مجلس القضاء الأعلى من ترشيح أعضاء المحكمة يعد أمرا غير منطقي، بل لا يتفق مع روح الدستور إن لم تكن نصوصه الصريحة، إذا علمنا أن المجلس هو الهيئة الأعلى التي تتولى إدارة شؤون القضاء، فكيف يمكن استبعاده من المشاركة في تشكيل المحكمة إذا كانت اغلبية أعضائها من بين القضاة؟

إلا أن هذه العقبة التي تعترض تعديل القانون النافذ، ستختفي عند تشريع قانون جديد للمحكمة طبقا للمادة (92/ثانيا) أو تعديل القانون الحالي وفقا لها؛ لأن الدستور فوّض مجلس النواب بشكل صريح في تنظيم طريقة اختيار أعضاء المحكمة، وهذا التفويض الصريح يعطي صلاحية كاملة للمجلس بتحديد أية طريقة لاختيار الأعضاء، شرط أن تكفل الاستقلال اللازم للمحكمة، وتحافظ على تمثيل الفئات التي نص عليها الدستور (القضاة، وخبراء الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون).

ومن بين تلك الخيارات إعطاء الحق لمجلس القضاء الأعلى بترشيح أعضاء المحكمة؛ لأن ذلك الخيار التشريعي لا يتعارض مع استقلال المحكمة، وتمثيل الفئات المذكورة، بل على العكس يصب في سبيل تحقيقهما، ويقوي مركز المحكمة تجاه السلطتين التشريعية، والتنفيذية، بما يمكنها من أداء عملها على نحو أكثر فاعلية لتأكيد المشروعية الدستورية.

وإن القول بخلاف ذلك إلى يوصلنا إلى الاستحالة في تشريع قانون المحكمة، وتحديد الجهة المختصة بترشيح أعضائها، وفقا لقرار المحكمة السابق، الذي أرجع عدم دستورية ترشيح مجلس القضاء الأعلى للأعضاء، إلى عدم النص عليه في الدستور ضمن اختصاصات المجلس، وهذا ما ينسحب إلى كل السلطات؛ لأن الدستور الحالي لم يحدد الجهة المختصة بترشيح أعضاء المحكمة، وتعيينهم بشكل صريح، ومسايرة هذا الفهم توقعنا في عدم دستورية اختصاص أية جهة بالترشيح، والتعيين، وهو في الحقيقة فهم غير دقيق لنصوص الدستور.

وهذه النتيجة غير العملية تقتضي الإقرار بالسلطة التقديرية لمجلس النواب في تحديد الجهة المختصة بترشيح أعضاء المحكمة، وتعيينهم، الممنوحة له وفق المادة (92/ثانيا) مع مراعاة الضوابط الدستورية المتمثلة بتعزيز استقلال المحكمة، وتمثيل الفئات المنصوص عليها دستوريا، والابتعاد عن نتائج قرار المحكمة السابق الذي يبدو أنه جاء نتيجة العلاقة السائدة بين المحكمة ومجلس القضاء الأعلى في تلك المرحلة.

لذلك نجد المحكمة لم تتطرق - في قرارها السابق - لاختصاص رئيس الجمهورية بتعيين رئيس المحكمة، وأعضائها، على الرغم من شموله بشائبة عدم الدستورية التي قررتها المحكمة لاختصاص مجلس القضاء الأعلى بالترشيح، كونهما يتفقان بعدم ورودهما ضمن اختصاصات الجهتين بشكل صريح في دستور 2005.

 

المحكمة الاتحادية العليا بين التشريع والتعديل (ثانيا)

النص الدستوري الذي يحكم تعديل قانون المحكمة

يبدو أن هنالك نصين دستوريين يمكن أن يكونا - للوهلة الأولى - أساسا لتعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا، الأول منهما نص عام ينطبق على جميع النصوص القانونية من حيث التشريع، أو التعديل، ما لم يكن هنالك نص دستوري يقضي خلاف ذلك.

حيث وضع الدستور قاعدة عامة لاتخاذ القرارات في جلسات مجلس النواب هي الأغلبية البسيطة، وبناءً على ذلك يمكن أن يصدر تعديل قانون المحكمة طبقا لهذه الأغلبية وفقا للمادة (59/ثانيا)

أما النص الآخر فيتمثل بالمادة (92/ثانيا) بقوله (... يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم، ... بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب).

والواضح من النص أن الأغلبية المطلوبة هي لتشريع قانون المحكمة ابتداءً، كما أنه ينطبق على أي تعديل يرد عليه، ومن دون ذلك يضحى الأمر عبثا، إذ ما هي قيمة القانون إذا صدر بأغلبية الثلثين ويعدل بعده بالأغلبية البسيطة؟

والقول بخلاف ذلك يتقاطع مع الحكمة التي ابتغاها المشرع الدستوري المتمثلة بحفظ استقلال المحكمة، واستقرارها بعيدا عن الرغبات البرلمانية في النيل من ذلك، وحتى لا يكون قانون المحكمة عرضة للتعديلات غير الضرورية.

وتبدو تلك الحكمة أكثر حضورا عند عملية التعديل، نظرا لإمكانية قيام البرلمان بتعديل قانون المحكمة، إذا كان ذلك بمقدوره استنادا للأغلبية البسيطة.

اذن يقتضي المنطق والتفسير السليم اشتراط اغلبية الثلثين عند التعديل أيضا، كما هو الحال عند تشريع القانون ابتداءً، وبخلاف ذلك سيُهدم ما تقرر في أصل القانون، انسجاما مع رغبة طالبي التعديل، بل من الممكن أن يصدر قانون جديد تحت ذريعة التعديل.

وإذا سلمنا بأن تعديل قانون المحكمة يجب أن يكون بأغلبية الثلثين فهل يشمل ذلك قانونها الحالي الصادر قبل نفاذ دستور 2005 أم أن الأمر يقتصر على القانون الذي سيصدر وفقا للمادة (92/ثانيا) من الدستور؟

قد يرى بعضهم أن التعديل المزمع اجراؤه حاليا يمكن أن يكون طبقا للقاعدة العامة التي وضعها الدستور في اتخاذ قرارات مجلس النواب، وهي الأغلبية البسيطة بعد تحقق نصاب الانعقاد، حيث لا يوجد نص صريح يقضي خلاف ذلك، ويشترط في التعديل أغلبية مغايرة.

إلا أن التفسير الموضوعي، والمنطقي قد لا يتلاءم مع هذا التوجه، فالدستور عند صدوره يهيمن على الحياة القانونية، ومادام هنالك نص فيه يعالج تشريع قانون المحكمة بشكل صريح، ويحكم أمر تعديله ضمنا، فإن ذلك أقرب إلى القول باستلزام اللجوء إلى الآلية المحددة في المادة (92/ثانيا) عند تعديل قانون المحكمة النافذ، تحقيقا للحكمة التي ابتغاها الدستور من ذلك.

وزيادة على ذلك فإن حصول التعديل بالأغلبية البسيطة سيقضي على كل أمل بتشريع قانون المحكمة في الدورة البرلمانية الحالية، أو التي بعدها؛ لأن الجهات المعنية ستكتفي بهذا الأمر من دون انجاز الاستحقاق الدستوري الأهم، وهو تشريع قانون جديد للمحكمة وفق الأطر الدستورية بعد ان مضت 15 سنة على استحقاقه.

لذلك نجد أن هذا المحذور، فضلا عن الخوف من الاتكاء على هذه الطريقة لغرض اجراء تعديلات أخرى لقانون المحكمة - عندما يجد مجلس النواب ضرورة لذلك، تاركا وراءه الأمر الأهم، وهو تشريع قانون جديد للمحكمة - يدفعنا بقوة إلى القول بضرورة اللجوء إلى المادة (92/ثانيا) عند تعديل قانون المحكمة الحالي.

زيادة على ذلك فإن هذا الخيار يجنبنا عقبة استبعاد ترشيح مجلس القضاء الأعلى لأعضاء المحكمة، عند التعديل، كونه يدخل ضمن السلطة التي فوضها الدستور لمجلس النواب طبقا للمادة (92/ثانيا) كما تبين سابقا.