Shadow Shadow

تغطية حراك تشكيل الحكومة.. لحظة بلحظة

مخاض أوروبا الصعب والسترات الصفر

رأي

{AUTHDETILE}

مخاض أوروبا الصعب والسترات الصفر

2018.12.18 - 10:20

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

ياسين البكري

خيارات أوروبا والاتحاد الأوروربي أمام تحديات صعبة لن يجيب عنها ابتسار أحادي لتفسير ما يجري في فرنسا.

إنها تفاعل صعود مجموعة عوامل حفزت ما يجري في فرنسا وقد تمتد لأوروبا فحالة التأثير والتأثر فاعلة في محيط ذي أبعاد اقتصادية وجغرافية وسياسية وديمغرافية وعقائدية متداخلة شهدت حالة من التقارب وتحمل بذور التنافر بنفس الوقت.

ما جرى في فرنسا مجرد إظهار لتشكل مسار انتقال من حالة الإستقرار المتصاعد برافعة الإقتصاد وآلام دمار الصراع في الحرب العالمية الثانية وصلت ذروتها مع العملة الموحدة واحتواء بلدان أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين، لحالة معاكسة قد تمضي بعيداً حد تفتت وانقسام الدول الأوروبية إن لم تجد المعالجات المبتكرة.

قد يوحي المسار المتصاعد الإيجابي لأوروبا إنها خارج حدود الصراعات، وربما غطت أدخنة الصراعات في الشرق الأوسط مشهد التناقضات داخل المشهد الأوروبي، ومن يعتقد انها خارج حدود التغيير فقط ليعيد مشهد الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وجدار برلين وبعدها يمكن أن يعدد السيناريوهات المحتملة في عالم متغير.

العالم متغير حكمة السياسية المستمدة من مسار طويل لتفتت الامبراطوريات العتيدة عبر التاريخ الموغل في القدم والمتجدد في تمثلات قريبة العهد.

كامثلة يمكن رصد الأقرب للذهن (روما، فارس، الدولة العربية الإسلامية وصولاً الى بريطانيا التي لا تغرب عنها الشمس)، والأمثلة أكثر من ذلك.

تعاني اوروبا من عدد من التناقضات والأزمات والعلل ناتجة عن محفزات داخلية وخارجية.

خارجياً تقع أوروربا في قلب الصراع الأميركي الروسي، وهو ما يقدم نظرية المؤامرة عند البعض بتفسير ما يجري في فرنسا كونه بفعل مخابراتي أميركي من جانب لاذلال أوربا وجعلها أكثر خضوعاً أو بفعل روسي من أجل إضعافها والحصول على مناطق نفوذ وتوسيع الدور الدولي الذي اختطه بوتين، وتلك عوامل لا يمكن نكرانها ولكنها تبقى متغيرات تابعة من نوع المنافسة الدولية والإستثمارات المتنافسة اللاحقة في سياق الصراع الدولي.

لكن الأهم أن اوروبا تقع قريباً من قوس الأزمات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وموجات الهجرة غير الشرعية والتوطن بفعل التأثيرات الثقافية الإستعمارية تحديداً الفرنسية على بلدان المغرب العربي، أو الشرعية نتيجة الربيع العربي وموجات المهاجرين التي استوعبت الجزء الاكبر منها المانيا لدوافع إنسانية أو اقتصادية لشيخوخة المجتمع والحاجة للأيدي العاملة.

تلك الهجرة وذلك القرب الجغرافي والثقافي بشكله اللغوي وبتناقضه الاسلامي المسيحي بشكله العقائدي الأيديولوجي وحمولات فترة الإستعمار من جانب والحداثي الأوروبي من جانب آخر سيكون له دور كبير في نمو الهوياتية داخل المجتمعات الأوروبية، وهو ما يفسر التأثير المتبادل غير المدروس بين العوامل الخارجية وانعكاساتها الداخلية.

نمو القضية الهوياتية لا يتعلق بشكل أحادي بالمهاجرين فاوروبا تعاني من أشكال انفصالية هوياتية عرقية بعضها معزز بدوافع وتميزات اقتصادية مثل الباسك وكتلونيا في اسبانيا، وكورسيكا في فرنسا، والقضية الإيرلندية التي خبت دون أن تنطفي في بريطانيا، فضلاً عن التماييز في الحالة الاسكتلندية والويلزية.

المسالة الهوياتية قد تمتد بفعل التناقضات وتفجرات الأيديولوجية والاقتصاد وامتداد تأثيرات تداعي ورخاوة أحجار الدمينو الى دول ذات استقرار عال كسويسرا ذات العرقيات المتنوعة أو بلجيكا ذات الأنموذج التوافقي بفعل التنوع العرقي.

عامل آخر يعزز التوتر وهو صعود الظاهرة الشعبوية، وتلك الظاهرة بذاتها مزيج من احتقان وطبقية اقتصادية واجتماعية وسياسية وحرمان متداخل ومتفاعل في فضاء عولمي يتيح المقارنة وبمجموعها تغذي طموح اليمين والجانب الهوياتي المسكوت عنه بفعل مرحلة الإستقرار والرخاء الاقتصادي الذي لم يعد كما كان.

منطقة اليور مع ما قدمته من عوامل لحمة وإستقرار بالقياس مع مرحلة الصراع التي أنتجت مأساة الحرب العالمية الثانية غير انها إظهرت جوانب من التفاوت بين مستوى الدخول لبعض الدول الأوروبية ومستوى وحدة الأسعار المطلوبة كقياس موحد وسوق واحدة، ومستوى النمو والعجر القياسي الذي يتطلب سياسيات إقتصادية موحدة من جميع دول الإتحاد الأوروبي.

تلك السياسات العابرة للسيادة الوطنية وخصوصية وتفاوت وتدني الناتج القومي عند البعض ، أظهرت التفاوت الطبقي داخل البلد الواحد بين ريف وضواحي ومدينة وهو ما كشفته سياسات ماكرون في رفع اسعار الوقود الذي وجد معارضة كبيرة من الشرائح المتضررة الذي أصاب دخول الطبقة الوسطى فانضمت لها أصوات الريف والضواحي والمهمشين والمهاجرين وأيقظت كل عوامل التفاوت والحرمان النسبي داخل الدولة الواحد وبين دولة وأخرى.

الطبقية والتفاوت بين دول الاتحاد الاوروبي وداخل كل دولة يمثل العامل الأساس لما تعيشه فرنسا اليوم وما قد يمتد لدول أخرى داخل منطقة اليور ، الذي ساعد وحفز نمو الشعبوية والهوياتية بشكل خفي وغاطس إحتاج لشرارة واستثمرته دول خارج اوروبا لمصالحها لذاتية.

منطقة اليورو تواجه تحديات صعبة قد تطيح بكل مكاسبها من رخاء واستقرار سياسي وبروزها كإنموذج للنجاح إن لم تعالج مسألة التفاوت الذي أيقض الهوياتية وعزز مكاسب اليمين والشعبوية ،أو سائرة باتجاه تصدعات لن يكون اولها خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي ، فالاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد قد تواجهه بريطانيا نفسها باستفتاء على خروج اسكتلندا وويلز وايرلندا من بريطانيا، والتفاوت ليس بعيد على تصعيد عوامل النقمة والا إستقرار بين شمال غني وجنوب يواجه مشاكل في ايطاليا.