Shadow Shadow

الاغتيالات السياسية في العراق.. تاريخ من الدم والرصاص

2020.08.29 - 14:44

نضال منصور

أعاد اغتيال الطبيبة والناشطة ريهام يعقوب في 19 من أغسطس الجاري مسلسل الرعب من عودة التصفيات السياسية التي ما زالت تجثم على صدر العراقيين والعراقيات، رغم كل الوعود من السياسيين والحكومات المتعاقبة بوضع حدا لها، وملاحقة القتلة ومحاسبتهم.

 

قام مسلحون باعتراض سيارة ريهام وأطلقوا الرصاص نحوها فأردوها قتيلة مع صديقة مرافقة لها، ولاذوا بالفرار والاختفاء، ولم يُهدء كلام رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بملاحقة القتلة حين زار منزل المغدورة في البصرة من قلق ومخاوف الناشطين والناشطات.

 

التاريخ القريب والبعيد لا يحفظ للسلطات العراقية بسجل مشرق في منع الإفلات من العقاب، وأكثر إن لم تكن جُل عمليات الاغتيال السياسي والأمني التي مرت في العقود الأخيرة من عمر العراق قد قُيدت ضد مجهول مع أن الجناة كانوا معروفين، وأصابع الاتهام تؤشر لهم بوضوح.

 

قُبيل اغتيال الناشطة ريهام يعقوب أطلق مسلحون الرصاص على تحسين الخفاجي في وسط بغداد فقُتل على الفور وحتى الآن لم يُعثر على قاتليه، ولم تغب عن الذاكرة الصدمة باغتيال الناشط السياسي هشام الهاشمي في السادس من شهر يوليو/ تموز حين أطلق مسلحون كانوا يستقلون دراجة نارية عدة رصاصات من مسافة قصيرة؛ ففارق الحياة بعد ساعات من نقله للمستشفى.

 

اغتيال الهاشمي المعروف كباحث وكاتب مُستقل ومُتخصص بالشؤون الأمنية، والجماعات المسلحة والإرهابية شغلت كل المتابعين، واعتبرت رسالة تحدٍ لرئيس الحكومة الذي حاول تضييق الخناق على المليشيات المسلحة، وخاصة تلك المرتبطة بإيران.

 

الاغتيالات الأخيرة لا يمكن فصلها عن سياق انتفاضة أكتوبر التي هزت أركان النظام القائم على الفساد والمُحاصصة الطائفية، وما يراه المدافعون الحقوقيون أن حملة التصفيات الجارية الآن ما هي إلا استكمال لعمليات القتل والخطف والتعذيب ضد قادة الانتفاضة الشعبية، وأن الأحزاب السياسية المتضررة، والمليشيات المسلحة التابعة لها أعدت قوائم لإعدام الذين فضحوها وكادوا أن يُنهوا مستقبلها لولا جائحة كورونا التي داهمت الجميع وأربكت وأحبطت انتفاضة أكتوبر.

 

تسع محاولات اغتيال جرت خلال الشهر الجاري، ما يحدث يُذّكر بخبر وكالة الصحافة الفرنسية الذي كشفت فيه النقاب عن قائمة بأسماء 13 ناشطا وناشطة وضعوا على قوائم الاغتيال كان من بينها الهاشمي، تزامنت مع حملات تشويه لسمعة قادة الانتفاضة، والترويج بأنهم عملاء أمريكا، وتسريب صور مُفبركة لبعضهم مجتمعين مع القنصل الأمريكي.

 

مربط الفرس في كل ما يجري ثورة الناس على من اختطفوا الدولة وسرقوا مُقدراتها في وضح النهار، وما زلتُ أتذكر ما قاله في أسى مرافق لي حين زرت بغداد قبل عامين بأن الأموال التي سُرقت ونُهبت منذ سقوط نظام صدام حسين كانت كافية لرصف العراق بالذهب.

 

انتفاضة أكتوبر كانت محاولة لتصحيح المسار؛ فكانت النتيجة مقتل 490 متظاهرا، وجرح 7783، واختطاف واختفاء 123 محتجا وناشطا، هذه الأرقام خلُص لها تقرير لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يونامي" تحت عنوان "حالات الاختطاف والتعذيب والاختفاء القسري في سياق المظاهرات المستمرة في العراق"، ووثق المرحلة بين الأول من أكتوبر 2019 وحتى 21 آذار 2020، وتوصل إلى نتيجة واضحة مفادها تورط جهات مسلحة ذات مستويات عالية في التنظيم والموارد والإمكانيات وراء كل هذه الانتهاكات.

 

لم يتوصل التقرير الأممي إلى أدلة دامغة على الجهات التي تقف وراء عمليات الاغتيال والخطف والتعذيب، لكن المؤكد بعد هزيمة "داعش" أن المليشيات المسلحة مثل كتائب حزب الله، والحشد الشعبي، وتنظيمات أخرى لا يمكن إلا وأن توجه لها أصابع الاتهام؛ ولهذا يجاهر النائب مثال الألوسي بالقول "اغتيال الناشطين والمتظاهرين يقف خلفه المليشيات المرتبطة والمدعومة من إيران"، ويوافقه السياسي انتفاض قنبر بقوله "إيران مستعدة لقتل أي شيء وكل شيء لإفشال ثورة أكتوبر حتى تحافظ على نفوذها الذي بدأ ينهار".

 

"الرصاص السياسي في العراق" كتاب يوثق تاريخ الاغتيالات السياسية في العراق منذ تأسيس الدولة عام 1921 وحتى سقوط نظام الرئيس صدام حسين عام 2003، وما يلفت الانتباه التاريخ الكربلائي للعراق، فالدم والرصاص لم يتوقفا منذ ما قبل العهد الملكي، استمرار في عهد المملكة، وامتداد في الحكم الجمهوري، وبالتأكيد تغيرت الأنظمة وبقيت الاغتيالات بصمة يُخلفها زعماء تعاقبوا على حكم العراق.

 

يروي فايز الخفاجي في كتابه أن أول اغتيال في العهد الملكي كان للشخصية السياسية توفيق الخالدي الذي شغل منصب وزير الداخلية في حكومة عبد الرحمن النقيب، ويتدرج في معلوماته ليوثق اغتيال وزير الدفاع جعفر العسكري في حكومة ياسين الهاشمي عام 1936 وعلى إثر انقلاب بكر صدقي، ويؤرخ لمقتل الملك غازي بحادثة سيارة مُدبرة، ويصل إلى أن أشهر الاغتيالات في العهد الجمهوري كان على يد صدام حسين التكريتي بتحريض من خاله خير الله طلفاح ذهب ضحيته مسؤول الشبيبة الشيوعية في تكريت سعدون الناصري عام 1958.

 

في عهد الرئيس الأسبق صدام حسين تعددت قصص الإعدام خارج القضاء، وهي لا تبتعد كثيرا عن التصفية والاغتيال سوى أن الجناة معروفين، ولا يحاولون التستر والهروب، ففي حادثة قاعة الخلد أعدم صدام ثلث مجلس قيادة الثورة، واتهمهم بالتآمر مع حزب البعث في سوريا، وتبع ذلك حملة تطهير في صفوف البعث العراقي قيل إن الحصيلة كانت إعدام 500 من كوادره.

 

لم يرحم صدام حسين حتى زوج ابنته حسين كامل الذي تمرد على حكمه بعد فراره إلى عمّان، وحين عاد إلى بغداد بضمانات أن لا يُمس، أبلغ الرئيس حكومته وحزبه أنه قد عفا عنه، ولكن للعشيرة شأن آخر، فانطلقت الجموع بكل اسلحتها الثقيلة حتى قُتل، وما هي إلا أشهر حتى سُمي "شهيد الغضب".

 

منذ العهد الملكي وحتى سقوط نظام البعث كانت الاغتيالات تحدث بتوقيع السلطة، ولكن منذ عهد ما بعد صدام فإن "فرق الموت" التي تقوم بالاغتيالات لا تحكمها ولا تسيطر عليها السلطة السياسية، وهي تتبع لأحزاب ومليشيات بعضها خفي، وبعضها الآخر عابر للحدود.

 

توعد رئيس الوزراء الكاظمي المجرمين أن لا يفلتوا من العقاب مهما طال الزمن، فهل يُصدقه النشطاء ويركنون لتعهداته بحمايتهم، أم ينجون بأرواحهم ويفرون من البلاد بعد سيل من التهديدات تلقوها وأجهزة الأمن إما متواطئة أو صامتة؟

 

لو كنت مكان النشطاء والحقوقيين في العراق لما صدقت قياداتهم السياسية، فكلامهم ومواقفهم ليست أكثر من زوبعة في فنجان، فالشواهد تقول إن المجرمين يسيرون في جنازات القتلى ويبكون كذبا عليهم، والشواهد تقول أيضا أن آلة الموت في العراق كما في لبنان رغم الجغرافيا وبعد المسافات متشابهة، والمؤلم أن رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري وبعد 15 عاما على اغتياله، ورغم كل الاهتمام العالمي والمحكمة الدولية؛ فإن القصاص من القتلة يبدو بعيدا إن لم يكن مستحيلا، وهذا ما يتكرس في العراق، فمنذ مقتل الحسين في كربلاء والدم النازف قدر لا يتوقف، وكل ما يفعلونه رثاء لا يُعيد الأموات إلى الحياة؟

 

من "الحرة"