Shadow Shadow

كنيسة المشرق وموضوع القومية

2020.08.15 - 20:16

لويس ساكو

بغداد - ناس 

بين حين وآخر يخرجُ أحد الاشخاص ويُعلنُ ان الكلَّ آشوريون أو كلدان أو سريان أو آراميون. هذا الكلام غير موضوعي وغير دقيق على الإطلاق!

ينبغي التمييز بين الكنيسة والقومية. الكنيسة شيءٌ والقوميَّة شيءٌ آخر. للكنيسة رسالةٌ إنجيلية، إنسانية وروحية شاملة ومنفتحة على كل الشعوب واللغات والبلدان، أما القوميّة، فلها قواعدها وأجندتها. إنهما مجالان مختلفان تماماً.

الكنيسة، مؤسسة إلهية، رأسُها المسيح، وأعضاؤها جماعة بشرية تؤمن به، وتشترك بنفس العقيدة (المذهب) والطقوس والقوانين والتراث والى حدٍّ ما باللغة، لان هناك كنائس تستعمل أكثر من لغة.

القوميّة، شعورٌ بالإنتماء الى اُمة معيَّنة، لها أرضُها ولغتُها وتاريخُها وتراثُها، ولها أجِندةٌ سياسية واجتماعية واقتصادية ترسُّخ مصالحها.

أعودُ الى كنيسة المشرق التاريخية. هذه الكنيسة الرسولية، عرفت انتشاراً في العالم منقطع النظير. انتشرت في بلاد ما بين النهرين والخليج وبلاد فارس وأفغانستان والهند والصين. ووفقاً لما كتبه عبديشوع الصوباوي (+ 1318) كان لها في زمانه 220 أبرشية ورئاسة اُسقفية. وكان عدد المنتمين إليها نحو ثمانين مليوناً. هذا الانتشار قلَّما عرفته كنائس اُخرى في الألف الأول.

سمّيَت بكنيسة المشرق، وأيضاً بكنيسة فارس بسبب الحكم الفارسي، والكنيسة خارج الأسوار (أسوار المملكة الرومانية)، والكنيسة النسطورية، بالرغم من أنها ليست نسطورية عقائدياً!

اذاً، كان يوجد في كنيسة المشرق آشوريون وكلدان وفرس وقبائل عربية في الحيرة والخليج، وأيضاً افغان (مدينة هرات كانت رئاسة أسقفية) وهنود وصينيون. والبطريرك يهبالاها الثالث (+1317) كان مغولياً ولم يكن آشورياً. بالتالي أنَّ كنيسة المشرق لم تكن محصورةً بالقومية الآشورية ولا الكلدانية.

في الخلافة العباسية كان يوجد في العراق سريان أرثوذكس وروم ملَكيون وكانت لهم كنائسة عامرة وكان للسريان مفريانية في تكريت، ولم يكونوا كلداناً ولا آشوريين، بالرغم من ولاية بطريرك كنيسة المشرق الرمزية عليهم بحسب مرسوم الخليفة (المجدل لماري ص 92 و 125).

كنيسة المشرق انقسمت الى كنيستين في 1441 سميت جماعة مشرقية في قبرص انضمت الى الكنيسة الكاثوليكية  بالكلدان، وانضم فريق آخر بزعامة يوحنا سولاقا الى الكنيسة الكاثوليكية سنة 1552 وسُمّوا كلداناً، وصار سولاقا بطريركاً لهم.

تسمية “كنيسة المشرق الاشورية” تسميةٌ حديثة، لا نجدها في كل المراجع التاريخية! وفي سنة 1968 إنفصلت عنها جماعةٌ سمَّت نفسها “الكنيسة الشرقية القديمة”.

هذه الجماعات كانت تنتمي الى كنيسة المشرق، ولم تكن القضية القومية مطروحة البتة!

اليوم في الكنيسة الكلدانية التي مذهبها كاثوليكي، يوجد كلدان وآشوريون، وبعض الخورنات في الخارج تحمل الاسم المزدوج: الاشوري والكلداني. في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية يعتز الاشوري او الكلداني بقوميته. اعتقاد ان الشعب الاشوري لم ينقرض بسقوط الامبراطورية الاشورية سنة 612 ق.م. ولا الكلداني بسقوط  الامبراطورية الكلدانية البابلية سنة 539 ق.م.

استعمال اللغة السريانية في الطقوس لا يعني الانتماء القومي، كما الحال بالنسبة الى استعمال اللغة اللاتينية لا يعني ان من يصلون بها قوميتهم لاتينية، بل هم ايطاليون وفرنسيون وألمان الخ…

المذاهب المسيحية معروفة وهي المذهب الكاثوليكي والارثوذكسي والبروتستانتي فلا يوجد مذهب كلداني أو سرياني أو أرمني.. لبعض الكنائس جماعات تنتمي الى المذهب الكاثوليكي وأخرى الى المذهب الارثوذكسي واُخرى الى المذهب البروتستانتي!

وثمة لقاءات مسكونية حالياً بين الكنائس من أجل الوحدة، وهي أسهل من الوحدة القومية التي تختلف،  وهي حركة مهمة للغاية، لان وحدة الكنيسة هي في جوهر تكوينها “ليكونوا واحداً” (يوحنا 17: 21).

التسمية والشعور القومي ظاهرةٌ حديثةُ العهد نسبيّاً، ولا بأس بها، لكن ينبغي أن يكون هناك وضوحاً وتفهُّماً بعيداً عن التعصب الأعمى الذي يحوول دون التضامن والتعاون المطلوبين خصوصاً في الظروف العصيبة التي تعيشها المنطقة، وموجات الهجرة التي تهددُ وجود أبناء هذه الكنائس لا فقط في العراق، بل في الشرق الاوسط. 

لذا،عليهم إحترام خصوصية كل طرف والعمل الحثيث على التفاهم والاتفاق والتعاون من أجل مستقبل أفضل لهم ولمواطنيهم. وهذه مسؤولية ضميرية ووجدانية.