Shadow Shadow

على هامش الدمار الذي لحق بيروت: الكرد و حزب الله وإسرائيل

2020.08.12 - 09:23

آلان م. نوري

آلان م نوري

انفجر يوم الثلاثاء، الرابع من آب، 2750 طنا من مادة نترات الأمونيوم في مخزن في مرفأ بيروت وأحدث كارثة إنسانية مروعة؛ الحصيلة غير النهائية تشير إلى 154 قتيلاً وأكثر من خمسة آلاف مصاب ومئات المفقودين والعالقين تحت أنقاض أحياء كاملة تهدمت وفقد حوالي 150 ألف مواطن لبناني بيوتهم ومصادر أرزاقهم في انفجار هو الأعنف في التاريخ باستثناء التفجيرات النووية.

قصة الحمولة القاتلة

 

بدأت قصة هذه الفاجعة، التي تروي مأساة عصر العولمة اللبرالية المتوحشة، قبل أكثر من ست سنين، حين تعاقد تاجر روسي يسكن قبرص، والتي هي محطة غسيل أموال للمافيا الروسية، مع شركة صناعة اسلحة و متفجرات موزمبيقية على بيعها وإيصال هذه الكمية الهائلة من نترات الأمونيوم شديد الانفجار من جورجيا، الجمهورية السوفيتية السابقة ومرتع الرأسمالية المنفلتة اليوم، إليها في الموزمبيق. وحُمّلت الشحنة إلى باخرة قديمة صدئة تفتقد كل شروط السلامة.

في طريقها اكتشف القبطان أن صاحب الشحنة لم يدفع رسوم عبور مضيق السويس، فطلب منه التاجر الروسي تحويل المسار إلى مرفأ بيروت لتحميل حمولة اضافية توفر ما يكفي لسد نفقات عبور مضيق السويس. عند وصول الباخرة إلى مرفأ بيروت، انتبه المفتشون إلى بؤس حال الباخرة ومنعوا عنها إذن الإبحار حرصا على سلامة الملاحة. فشل طاقم الباخرة الراسية في دفع رسوم مرفأ بيروت فتم حجز الحمولة ومنع الطاقم من مغادرة الباخرة. بعد مدة طويلة من الاختفاء ظهر التاجر الروسي ودفع مصاريف إعادة الطاقم إلى بلدهم وترك الحمولة وفاتورة مصاريف ورسوم مرفأ بيروت.

هكذا وصلت هذه الكمية الهائلة من المواد شديدة الانفجار إلى مخزن في مرفأ بلد قضى خمسين عاماً ماضية بين حرب اهلية واجتياحات متكررة مزقت السلم الاجتماعي فيه بشكل لن يصدم أحداً إذا تجددت الأعمال القتالية على أرضه في أي لحظة.

 

الكرد  ما بعد انفجار بيروت

مع انتشار مقاطع الفيديو للانفجار في مواقع التواصل الإجتماعي، تعرض منطق التفكير السائد والمسيّد بين الجمهور المشاهد الكردي في إقليم كردستان إلى رد فعل ارتجاجي في ثلاثة محاور متعلقة بتفسير ما حدث. رد الفعل هذا لم يكن مردّه إلى تفاعل مستثمري العوائل المتسيدة في الإقليم مع المأساة من جهة تضرر مصالحهم التجارية في بيروت و لبنان، ولا بسبب تعاطف السواح الكرد الذين تسنى لهم زيارة بيروت الجميلة و أهلها الطيبين، بل لأن احتمالات تفسير ما حدث متداخلة في مناح عدة مع الفكر السائد و المسيّد في إقليم كردستان. بمعنى آخر الانفجار طال أسس تفكير الكرد في الإقليم بشأن النظام السياسي الذي يتطلعون إليه في الإقليم وعموم العراق. خلال الأيام التي لحقت الانفجار طغت ثلاثة احتمالات على حوار المجتمع الكردي الداخلي بشأن أسباب الإنفجار:

 

الفساد يقتل!

الإحتمال الأول، والذي يبدو الأقرب إلى الحقيقة مع مرور الأيام، هو أن الانفجار وقع نتيجة إهمال إداري فظيع استمر سنين دون أي اكتراث بإحتمالات الكارثة المتربصة، وهو أمر لا يحدث إلا في بلد استشرى فيه الفساد الإداري لدرجات خطيرة. المتتبع لتاريخ هذا الفساد في لبنان لن يجد صعوبة في ربطه بأطر النظام السياسي الذي ولد في الطائف بالسعودية بعد اتفاق أمراء الحرب في لبنان على "طي صفحة" الحرب الأهلية في عام 1989، فرسّخوا بذلك دعائم الطائفية و المذهبية في حكم البلد.منذ ذلك الحين بات المقياس الوحيد لكفاءة أي شخص لشغل أي وظيفة إدارية عليا، هو من من أمراء الطوائف سيجني الثمار المادية لهذا المنصب الإداري. نظام التوافق الطائفي و الديني هذا حول الدولة في لبنان إلى مجموعة من الأبقار يحلب كل منها "راع لمصالح طائفة"، فضاع في خضم هذا التهافت على استنزاف الموارد العامة كل معنى لأسس المواطنة و نزاهة اجهزة الخدمة العامة في البلد.

في العراق ومع سقوط نظام صدام و تأسيس النظام السياسي "الجديد"، كانت القوى المتسيدة في إقليم كردستان والمعارضة التقليدية اللاحول ولا قوة، تدافع باستماتة و تؤسس لنظام سياسي شبيه بالذي يسود في لبنان. ورغم انتفاضة اهل العراق و المأزق المالي وأزمة السلطة المستعصيين في الإقليم، لازالت القوى المتسيدة، و معها معارضة اللاحول ولا قوة، قادرة على تصوير نخرهم في اسس المواطنة في العراق على أنه التزام بالإنتماء القومي الكردي الخالص. سأل صحفي وزير العدل في الإقليم قبل بضع سنين سؤالا عن موقف وزارته بشأن مسألة قانونية ساخنة في الإقليم، فأجاب الوزير الـ (ترس هدومه) آنذاك بأنه ليس قانونيا ولا يفقه في المسألة! وكان محقا. فهو لم يكن سوى راع بقرة وزارة العدل ولم يثر فضوله ما يجري في الوزارة إلا بمقدار مآل حليب البقرة. 

انفجار بيروت جسّد للكرد في إقليم كردستان ما يقدر الفساد المنفلت و النظام السياسي الحاضن له على الإتيان به من كوارث مفجعة.

 

حزب الله، خاف الله!

الاحتمال الثاني في تفسير الانفجار، هو أن المواد شديدة الانفجار كانت في طريقها إلى حزب الله اللبناني و انها خزّنت في المرفأ وسط سكان بيروت حتى تتجنب اسرائيل قصفها مخافة التسبب في جريمة كبرى بحق المدنيين و تعرضها لإدانة الرأي العام العالمي و عقوبات المجتمع الدولي. بغض النظر عن واقعية هذا الإحتمال، فقد أعاد ربط الإنفجار بحزب الله إلى الواجهة في ذهن و وجدان المواطن الكردي مسألة التقييم الشعبي لحق مقاومة الإحتلال و القمع العسكري و دور أحزاب محتكرة و مقصية للآخرين بطبيعتها في هذه المقاومة، و مدى شرعية سعي الحزب المقاوم لنخر دعائم الدولة و "حقه" في فرض نفسه بديلا عن دولة المواطنة ومؤسساتها.

كرد إقليم كردستان مروا بتجارب طويلة مع فكرة الحزب المسلح المحتكر بطبيعته والذي يعرّف نفسه بالمقاوم الوحيد للمحتل أو للدولة القمعية. و خبر الكرد على مر السنين ماذا يعني أن يبسط حزب كهذا نفوذه المُقصي للآخرين على أي بقعة جغرافية في الإقليم. و جربوا نوع السلطة السياسية الذي ينتجه هذا الإقصاء و الإستفراد، فلمسوا ما يفعله حزب كهذا بحدود العلاقة بين الحزب و الدولة، و بين مال الحزب و المال العام وحق المواطن في الإنتفاع بخدمات الدولة بغض النظر عن قرب أو بعد هذا المواطن من الحزب المقاوم. ورغم اتفاق الكرد على أن تجربتهم مع هكذا أحزاب هي غاية في المرارة ، فلازال الكثير منهم على الرأي السائد و المسيد القائل بأن "الأمة" في خطر، وهذا يكفي لتبرير وتحمل كل انواع التعسف و هضم الحقوق العامة، بل وحتى السلوك المافيوي لهذه الأحزاب الحامية للأمة! يوجد في كردستان من يبرر هكذا لحزب الله بإعتباره حامل لواء المقاومة لإسرائيل و يعتبرون أي نقد للحزب انحرافا عن المسار المقاوم للصهيونية والأمبريالية و قوى الإستكبار العالمي...الخ. وبمقابل هؤلاء، في لبنان كما في كردستان، ترتفع أصوات جريئة و تضرب جذورها في الأرض، لتيار آخر يعتبر التعبئة اللامنتهية لحرب لا تنتهي، هو الآخر لا تعود بالنفع إلا للسلوك المافيوي للحزب المقاتل، و أن المجتمع برمته لا يمكنه القبول بخلط السياسة بالسلوك المافيوي بدعوى "كل شيء من أجل المعركة".

سواء اثبتت التحقيقات تورط حزب الله في خزن ما تفجر في ذلك اليوم المشؤم ام لا، فذلك لا يغير من حقيقة أن حزب الله مع جملة القوى السياسية المتسيدة في لبنان بطبيعتها المافيوية و سلوكها المُقصي للآخر، كلها مستميتة في الدفاع عن نظام الطائف أو دونه الحرب الشاملة، فهم لذلك جزء لا يتجزأ من النظام السياسي الفاسد في لبنان. من هنا فإن هذا الإنفجار المروع هو حافز للكرد في الإقليم للإنعتاق من الرؤية السائدة للحزب الذي لولاه لأكلتنا الذئاب.

 

اسرائيل الدولة اليهودية؟

الاحتمال الثالث الذي لا يمكن استبعاده جزافاً هو أن تكون إسرائيل هي التي فجرت المستودع بهدف لصق التهمة بحزب الله وفرض اثارة التساؤلات حول دور الحزب المدجج بالسلاح في مجتمع يطمح أن يكون مدنيا ديمقراطيا. هذا الإحتمال اعاد إلى دائرة النقاش الكردي مسألة إسرائيل و حقها في الوجود والعيش بسلام بين جيرانها.

لا يخفى لدى المطلع على المزاج العام بين الكرد، أن آفة "سنلقي اسرائيل في البحر" و "اليهود قرود" و ما شابه لم تحظ يوما بشعبية بين الكرد. من هذه الناحية يمكن اعتبار كرد العراق أكثر عقلانية و تمسكا بذاكرتهم الجمعية مقارنة بباقي أنحاء العراق، فلم يقعوا فريسة الخرافات الملتحفة بالدين والمفاهيم العنصرية. أغلب الكرد، اسوة بأغلب شعوب العالم، ينظرون إلى القضية اليهودية منذ الحربين العالميتين كقضية لاجئين فروا من جحيم العنصرية و القتل الجماعي. و ما كانت هذه المرة الأولى التي فر فيها يهود أوروبا إلى مناطق نفوذ الدولة العثمانية ومن ملك بعدهم. اغلب الكرد، كأغلب شعوب العالم، فضلوا "دولة لشعبین" في فلسطين التاريخية. فلما تعذر ذلك تعاطفوا مع قرار الأمم المتحدة بأنشاء دولتين (اسرائيل و فلسطين). الأولى في المناطق ذات الأغلبية اليهودية و الثانية في المناطق ذات الأغلبية العربية في فلسطين التاريخية. لكن هذا لم يعن قط أن المزاج الشعبي الكردي قبل بنوايا دولة اسرائيل في التوسع و تهجير السكان المحليين، أو بإنكارها لحق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم في دولة مستقلة وديمقراطية.

ولكن منذ التسعينات من القرن الماضي، مالت القوى المتسيدة في كردستان إلى الحكومات اليمينية المتطرفة في اسرائيل، فخلق ذلك مزاجا شعبيا سائدا و متسيدا بين كرد العراق لا يقر فقط بحق اسرائيل في الحياة، بل يدعم تعريف هذه الدولة كدولة لليهود! وهذا من المعيب جدا لمواطني شعب رزحوا تحت حكم شوفيني فاشي قرابة نصف قرن و سمعوا اطفالهم يرددون ما تعلمهم الدولة أن العراق، كل العراق هو جزء من الأمة العربية، و الذي كان يعني أن الكردي كان اما "ضيفا" في بلده أو في طريقه إلى الإضمحلال و الإندماج في الأمة العربية. فالكردي الذي مر بهذه التجربة المروعة في العيش "اخا صغيرا" في دولة قومية تعتبر وجوده شائبة في النقاء العرقي للأمة، أن القبول بأسرائيل وطنا لليهود يعني القبول بتحويل 21% من سكانها، وهم العرب، إلى مواطنين من الدرجة الثانية.

انفجار بيروت، إذا ثبت لإسرائيل يد فيه، هو جرس تنبيه للمزاج العام في كردستان للقطع مع السياسات العنصرية الخرقاء لليمين الإسرائيلي الحاكم. فإسرائيل كدولة لها الحق في الحياة والأمن، ولكن هذا الحق مرهون بحق عرب اسرائيل في المساواة و الأمن وعودة اهلهم المهجرين، كما هو مرهون بحق فلسطينيي الضفة و القطاع في دولة مدنية ديمقراطية مستقلة على كامل ارضهم، و حق سوريا و لبنان في كل شبر من الأرض احتلته اسرائيل. عندها فقط يحق لإسرائيل ديمقراطية ومدنية أن تطالب جيرانها بحق الجيرة الحسنة. انفجار بيروت رسالة إلى الوعي الكردي بأن عسف الدولة بإسم "القومية العربية" بحق الكرد، لا يمكن أن يبرر قبول الكردي لشعب آخر أن يعيش تحت نفس ما عانى منه و قاومه لأجيال.

بيروت التي علمتنا فيروز حبها، تقطر دما، و عيوننا جميعا تدمع لمأساتها. فلنتعلم من فاجعتها، وليكن حبنا لها حافزا لمنع كارثة مماثلة في بلدنا. لا للفساد المحمي من نظام سياسي يرفض حق المواطنة غير المنقوص. لا للأحزاب المدججة بالسلاح و لا لدولة "الإثنية الغالبة" في بلد متعدد الهويات هنا أو بجوارنا.