Shadow Shadow

تغطية حراك تشكيل الحكومة.. لحظة بلحظة

عام على هزيمة داعش.. رأي عام عراقي

رأي

{AUTHDETILE}

عام على هزيمة داعش.. رأي عام عراقي

2018.12.11 - 10:44

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

سليم سوزه

كانت لحظة “دولة الخلافة الإسلامية” المسماة اختصاراً “داعش” لحظة عنيفة برمزيتها وشديدة على ذاكرة العراقيين جميعهم. بضع أنفار مسلحون بعقيدة القتل المقدس يجتاحون أراضٍ واسعة من دولة ذات تاريخ وثقافة وجغرافيا ضاربة في القدم. سحبت معها هذه اللحظة جمهورا واسعا من المترددين والناقمين والكارهين لدولة العراق التي تحكمها طبقة “ليست من أهلها”. كان ذلك التبرير كافياً لعدد من “المثقفين” أن يتحولوا الى خندق داعش. يكتبون مديحاً لعنفوان تلك الفئة التي آمنت بربّها ولم تخشَ قوة السلطة وجبروتها. إنها لحظة أسعدت كثيرين وأغضبت بالمقابل كثيرين. صار الحديث عن دولة العراق الواحد محض سخرية ونقد شديدين. فجأةً اكتشف البعض أن العراق ليس سوى ثلاث كتل بشرية تعيش مع بعضها قسراً بلا روابط. عزّزت هذه النظرة موقف اليمين المتشدد من كل المكونات ليتحدوا فيما بعد على خطاب انفصالي يعيد النظر في الدولة الواحدة لصالح هويات متفرقة ومتقاتلة. إنها دولة الطوائف والمكونات التي أعطتها داعش فرصة القتال على الجغرافيا لتكبر مساحة هذا الطرف على حساب ذاك.

كانت قد أيقظت هذه اللحظة مشاعر مختلطة لدى جميع مكونات المجتمع العراقي ودول الإقليم. لحظة أيقظت حلم العبث بالخرائط لصالح إقليم هنا ودولة وليدة هناك. إقليم سنّي يعيد “الكرامة السنية المهدورة” ودولة شامية تتأسس على أنقاض سوريا يقابلها حلم كردي بإعلان الدولة الكردستانية المرتقبة، ناهيك عن الأطماع التركية في الانقضاض على ما تبقى من الأراضي الموصلية.

مضى عام على هزيمة داعش، عام يحق لنا فيه مراجعة مواقف السياسيين وإدائهم. كيف صار الخنجر صديقاً للخزعلي، وما الذي صنع من صاحب الإستفتاء البرزاني فاتحاً كبيراً يستقبله المالكي والعامري ببساطٍ أحمر. كيف تحوّل شاعر داعش الى مناصر خطير للحشد الشعبي، لِمَ يتوسّل علي حاتم السليمان العودة الى العراق اليوم، لماذا تجلس الفتلاوي مع ابو ريشة مجدداً؟ كيف يرى الرأي العام هذه الأسئلة اليوم يا ترى؟

سألني مقدم برنامج حواري مرموق في إحدى الفضائيات العراقية سؤالاً مختصراً لكنه مكثف لدرجة جعلتني أفكر كثيراً قبل الإجابة. قال لي: أين الرأي العام العراقي من كل ما يجري في العراق؟ في الوقت الذي أبحث فيه عن إجابة، تقع عيني على تلك التناقضات التي تجلس مع بعضها اليوم. لماذا غيّرت جلدها وصارت مرنة مع أعداء الأمس هكذا فجأة؟

ليس من الصعب معرفة لمَ يغيّر السياسيون مواقفهم باستمرار ربما. هذا أمر صار مفضوحاً للجميع. الحديث الأهم هو عن رأينا العام، هل كان مؤثراً؟ هل نجح في صناعة سياسة ضغط من القاع؟ هل ساءل (لا أقول حاسب) تلك النخبة السياسية التي احتاجت كل هذا الخراب والدماء لكي تجلس مع بعض فقط؟

نعم، في العراق رأي عام قوي وملحوظ لكنه انفعالي ومتسرّع، سرعان ما ينتهي في حدوده الدنيا ولا يترجم قوله الى فعل مؤثر على السلطة من الأعلى. السبب في ذلك هو غياب وسائط الضغط Intermediaries التي تهذّب الرأي العام وتصنع منه موقفاً سياسياً مؤثراً وفعالاً عبر سلسلة من إجراءات الضغط السلمية والقانونية. غياب تلك الوسائط المتمثلة بجمعيات الدفاع عن الحريات ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات المهنية المؤثرة والمنابر الإعلامية المستقلة يجعل من الرأي العام العراقي ظاهرة غضب وشتائم فقط لا تتخطّى عالم السوشال ميديا. رأي عام بلا مؤسسة = ضجة بلا تأثير. هكذا باختصار أجبت الإعلامي الصديق.

لقد صنعت لنا داعش رأياً عاماً ناقماً على النخبة السياسية أنهم السبب في ما وصلنا اليه، السبب الذي أفقد العراق أغلى شبّانه وأجمل مدنه. عشرات الالاف من الشهداء وأكثر من هذا الرقم مهجرون ونازحون ناهيك عن المدن المخرّبة والبنى التحتية التي أنهكتها العبوات والصواريخ والقنابل، وبدلاً من أن يعاقب الرأي العام العراقي نخبة الخراب السياسي، صوّت لأغلبيتهم حتى يعودوا الى مناصبهم مرةً أخرى!

عام على هزيمة داعش ولم يُحاسب مسؤول قط. عام على تلك الهزيمة ولم يقدم الرأي العام العراقي سوى شتائم.

أنها لعمري خيبة أمل أن تُهزم داعش ليجلس منتجو لحظتها جنباً الى جنب، يتقاسمون الضحكة فيما ينام أهالي الضحايا مع دموعهم بلا عشاء.