Shadow Shadow

الاتفاقية الإيرانية الصينية.. اقتصاد بطعم الثأر السياسي

2020.07.11 - 14:03

باسم العوادي

باسم العوادي

يدور في ايران جدل من نوع فريد حول اتفاقية شراكة استراتيجية بين الصين وإيران لمدة 25 عاما، وتنشغل اوساط سياسية وصُحفية رفيعة في ايران بمقالات وتصريحات جدل حول طبيعة الاتفاقية وأهيمتها او بكونها حدث من نوع خاص لم تشده جمهورية إيران الإسلامية منذ ثورتها 1979 فقد شكلت مسألة السيادة واستقلالية القرار معلم اساسي خلال العقود الاربعة من عمر الثورة حيث تجنبت القيادة الايرانية مثل هذه الاتفاقيات الطويلة الامد ولا سيما اذا صاحبها شيء من السرية والتكتم.

وبلا شك فأن عقد بمثل المواصفات التي سنتناولها ادناه وفقا لمصادر مختلفة، يؤكد على ان الجمهورية الاسلامية غاضبة من اصدقائها الأوربيين والروس، لكي تتجه نحو الشرق بهذا الاندفاع غير المعهود عنها سابقا، وان رسالتها الغاضبة لن تريحهم وهم يشاهدون الصين وهي تحتكر السوق الإيرانية العملاقة وفي شتى القطاعات، والأبعد من ذلك هو الحضور الصيني من خلال هذه الاتفاقية لكي تطل على المياه الدافئة في الخليج وبحرعُمان، ليكون العملاقة الثلاثة ( الامريكان والروس والصينيون) حاضرين في بقعة واحدة وكلا منهم متسلحا باتفاقيات لايمكن ان تُقتلع حتى من الجذور.

وكان اصدقاء ايران في العراق قد رحبوا ودعموا كثيرا ما قيل انه اتفاقية كبرى للعراق مع الصين، كان قد وضع حجر الاساس لها رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، وعمل على تفعيلها خلفه عادل عبد المهدي في زيارة كبيرة ووفد عملاق ولقاءات ومذكرات على اعلى المستويات اثارت جدلا كبيرا في العراق ايضا.
الا ان حكومة عبد المهدي وبعد ذلك لم تسعى لتفعيل اي من بنود الاتفاقية واهملتها وبقيت حبرا على الورق بالرغم من الحملات الدعائية والاعلامية لتصوير هذه الاتفاقية بأنها اعظم منجزات العراق الجديد وانها القشة التي ستنقذ العراق من الغرق بالرغم من عدم وجود مسؤول عراقي واحد قد عرف  هذه الاتفاقية أو قدم اي توضيح او وثيقة مهمة حولها، لكنها اثارات فعلا جدلا عميقا مرة اخرى بين مؤيدي الشرق ومؤيدي الغرب.

من بين المسؤولين الإيرانيين الذين انتقدوا الاتفاقية الايرانية الصينية الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الذي حذر من الاتفاقية (السرية)، قائلًا إنه يتم التوقيع عليها سرا مع أطراف أجنبية (ضد مصالح البلاد)، وطبقًا لتقرير موقع (حكومة بهار) صرح أحمدي نجاد يوم 27 يونيو قائلاً: (سمعتُ أنهم يتفاوضون الآن، ويريدون إبرام اتفاقية جديدة لمدة 25 عاماً مع حكومة دولة أجنبية، ولا أحد يعلم شيئاً عن الموضوع).

وعزت مواقع اخبارية انتقادات نجاد للاتفاقية الى تجاربه السابقة مع الصين، وكانت حكومة أحمدي نجاد قد وقعت عام 2008 عقداً مع الصين يمكنها من التحفظ على الدخل الناتج من بيع النفط عندها حتى تستخدمه كاعتمادات مستنديه لشراء إيران السلع الصينية، وبعد ثلاثة أعوام انكشف أمر هذا العقد، وقد ذكرته وسائل الإعلام بـ (عقد تركمانشاي العملة الصعبة مع الصين)، خلال هذه الفترة تم جمع أكثر من 25 مليار دولار في هذا الحساب الذي فتحته الحكومة الإيرانية لدى الصين، ولم يكن أمام إيران حل سوى استيراد البضائع من الصين مقابل هذه الأموال.

حيث سَردت صحف اصلاحية في تقاريرها المخاوف التي أثارها الخبراء والباحثين الايرانيين في هذا المجال، قائلة إن أسباب القلق لدى المهتمين تعود لأربعة عوامل منها: (عدم التوازن بين إيران والصين، ووضع إيران الحالي في سداد الديون، وتاريخ الصين في اتفاقياتها مع إيران ودول أخرى، فضلًا عن الرفض المجتمعي لها وانعدام الشفافية).

خبير السياسة الخارجية والدبلوماسي السابق (قاسم محب)، أكد أنه وبالرغم من ضرورة إقامة علاقات استراتيجية مع الدول التي ترتبط مع إيران بتبادل اقتصادي وتجاري قوي، إلا أن تلك الاتفاقية المزمع عقدها مع الصين لمدة 25 عامًا، ستكون لصالح الصين، مشيرًا إلى أن القلق الرئيسي من هذه الاتفاقية يكمن في عدم التوازن بين الصين وإيران، كما أن إيران وفق قوله (ليس لديها بدائل للاختيار بسبب العقوبات المفروضة عليها، وهو الأمر الذي ستستغله الصين للمطالبة في الاستثمار بشكل أكبر في المشاريع الإيرانية، مما قد يخلق مشاكل مستقبلية في البلاد).

وأوضح محب علي، أن ما يُفاقم المخاوف من هذه الاتفاقية، هو تاريخ الصين الاستثماري في موانئ الدول الأخرى، لافتًا إلى أن سيرلانكا اضطرت لتسليم ميناء للصين في إطار عقد إيجار لمدة 99 عامًا، بعدما أخفقت في تسديد ديونها للصين، وعليه فإن الدبلوماسي الإيراني السابق لا يستبعد أن يتكرر الشيء نفسه مع إيران، لا سيما في حال منعتها العقوبات من سداد الديون، الأمر الذي سيترتب عليه استيلاء الصين على الأصول والحصول على الامتيازات في حقول النفط والغاز والموانئ والجزر الإيرانية.

بالاضافة لما سبق من المخاوف الأمنية والعسكرية، والتي تتمثل وفق رأيه في (الخشية من تواجد الصين في المياه الخليجية وبحر عُمان، فإذا ما حضرت هناك في ظل تنافسها مع أميركا، فإن ذلك قد يدفعها لبناء قاعدة عسكرية أو اقتصادية على الجزر الإيرانية الجنوبية).

بناءً على ما سلف، أعرب خبير السياسة الخارجية، عن أمله في أن لا تصبح هذه المسودة اتفاقية، بيّنما دعا الخبير الاقتصادي (مسعود دانشمند)، إلى عمل دراسة جادة وشاملة لأي عقد سيُبرم مع الصين، لأن هذه الأخيرة حسب ما قال لصحية (شرق)، ليس لديها سجل جيد في الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع البلاد الأخرى، فهي كما يُضيف (تجلب رأس مالها ومعداتها معها إلى البلد المضيف، ولا تعتمد على العمالة المحلية في استثماراتها في البلاد)، لأنها (تركز على مصالحها بغض النظر عن مصالح الدول الأخرى)، وقد ظهر هذا التركيز الصيني برأي دانشمند، عندما لم تدعم الصين عودة بيع النفط الإيراني بالدولار، وقالت إنها ستدفع بالعملة الصينية (يوان).

في حين أيدت صحف اصولية الاتفاقية وأرجعت الهجوم الداخلي على مسودة الاتفاق مع الصين إلى (الخلافات الحزبية والشخصية التي تلقي بظلالها على السياسة الخارجية والداخلية)، وكتبت صحيفة (قُدس) الاصولية أن (إبرام اتفاق إيراني- صيني ليس أمرًا غريبًا، فخلال عمر الجمهورية الإسلامية كانت العلاقات بين البلدين قوية)، مضيفة أن (الطفرة الاقتصادية التي حققتها الصين خلال العقدين الأخيرين، زادت من رغبة العديد من الدول لإقامة علاقات اقتصادية مع الصين بما فيها الدول العربية المتحالفة مع أميركا).

وأجرت الصحيفة حوارًا مع المحلل السياسي (محمد ملازهي)، حول الموضوع، عزا خلاله لجوء إيران للشرق (الصين)، إلى الضغوطات الغربية المتزايدة على إيران، منددًا في ذات الوقت بهجوم الرئيس السابق محمود احمدي نجاد على الاتفاقية، وأشار ملازهي، إلى أن الغرب وخاصة أميركا يحاول عبر وسائل الإعلام التأثير على الرأي العام الإيراني الداخلي من أجل رفض هذه الاتفاقية، لأن الغرب وفق تشخيصه (لا يرغب في أي تقارب إيراني- صيني، انطلاقا من كون الصين هي المنافس الاقتصادي الأول له).

وكتب الموقع الاقتصادي (بتروليوم اكونوميست)، الذي ينشط في مجال تحليل الطاقة، إن زيارة ظريف للصين عام 2019 كانت من أجل تقديم برنامج تنفيذي لاتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل بين إيران والصين، والتي تم توقيعها عام 2016، وتم تحديث هذه الاتفاقية خلال هذه الزيارة.

وبحسب ما كتبه هذا الموقع البريطاني فإن المحور الأساسي لهذه الاتفاقية هو وضع الصين استثمار بقيمة 280 مليار دولار في إيران من أجل تطوير قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات، هذا المبلغ من المحتمل أن يتم استثماره خلال فترة الأعوام الخمسة الأولى، لكن يُستنتج على هذا النحو بأنه تم تخصيص مبالغ أكثر خلال الأعوام الخمسة القادمة على أساس الاتفاقية ثنائية الجانب.

كما وُضع استثمار مبلغ آخر بقيمة 120 مليار دولار من أجل تحديث قطاع المواصلات العامة الإيرانية والبنى التحتية للإنتاج، بحيث يتم دفع نفقات خلال الأعوام الخمسة الأولى، ويمكن أن تزداد هذه النفقات بموافقة الطرفين، وتتوقع إيران دعم الصين في مجلس الأمن بمنظمة الأمم المتحدة من أجل تطوير المرحلة 11 من حقل فارس الجنوبي، وزيادة الإنتاج في الحقل النفطي “كارون الغربي، وزيادة استيراد النفط، في المقابل سوف تتحصل إيران على أي قدر من النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية التي ترغب فيها بالتخفيضات المتفق عليها بحد أدنى 12 %، كما ستحصل على تخفيض بمقدار 6 إلى 8 % من أجل تعويض الخسائر المحتملة.

ووفقاً لاستنتاج نشطاء الاقتصاد النفطي تتيح الاتفاقية الجديدة للصين حق التأخير في سداد المدفوعات الإيرانية حتى عامين، وبالإضافة إلى هذا، يمكن للصين أن تدفع أموال إيران في صورة العملات الصعبة الناعمة (مصطلح يدل على العملات الأقل قيمة) التي تتحصل عليها من التجارة مع أفريقيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق، وأيضاً بالـ (يوان) الصيني، وهذا يعني أنه لن يوجد أي دولار أمريكي في مدفوعات الصين لإيران، الفائدة الأخرى لمشاركة الصين في إيران هي المشاركة في تنفيذ مبادرة الحزام والطريق، إذ يمكن للصين أن تستفيد من القوة العاملة بأجور زهيدة في إيران حتى تنشئ مصانع، هذه المصانع سوف تعمل مثل المصانع الموجودة في إيران، وبنفس جودة المنتجات.

وكتبت بتروليوم اكونوميست، نقلاً عن مصدر إيراني أن الصين سوف ترسل 5 آلاف من قواها العاملة إلى إيران من أجل الحفاظ على المشاريع التي تقوم بها، وسوف ترسل أفراداً آخرين من أجل حماية نقل وشحن النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية التي سوف تُرسل من إيران إلى الصين.

وأحدثت البنود المسربة من اتفاقية التعاون بين إيران، جدلا واسعا، حيث احتوت على فقرات تتضمن منح جزر وقواعد عسكرية وجوية للصين مقابل قيام الصين بالاستثمار في جميع القطاعات الاقتصادية والأمنية والعسكرية في إيران، ودفع مبالغ مقدمة لطهران لشراء النفط الخام الإيراني.

وتنص الاتفاقية أيضا على مشاركة الصين في تطوير ميناء جاسك، والمشاركة في إنشاء مدينة صناعية، والمشاركة في بناء المصافي والصناعات البتروكيماوية والصلب والألمنيوم وبناء المدن السياحية على ساحل مكران، الواقع على شواطئ بحر عُمان، وقالت بعض التقارير ان العنصر السري للاتفاقية يتضمن مشاركة الصين في بناء البنى التحتية الاساسية لإيران ضمن مشروع جيوسياسي صيني بعنوان ( حزام واحد ، طريق واحد).

وتعتزم الصين الاستفادة من العمالة الرخيصة المتاحة حاليًا في إيران لبناء المصانع التي سيتم تمويلها وتصميمها والإشراف عليها من قبل شركات التصنيع الصينية الكبيرة ذات المواصفات والعمليات المماثلة في الصين وستتمكن المنتجات المصنعة النهائية بعد ذلك من الوصول إلى الأسواق الغربية من خلال خطوط نقل جديدة، يتم تخطيطها وتمويلها وإدارتها من قبل الصين.

لكن (الخارجية الإيرانية) نفت على لسان المتحدث باسمها (عباس موسوي)، صحة هذه الأخبار، قائلا عبر تويتر، إن (خطة العمل الشاملة للشراكة بين إيران والصين هي خارطة طريق واضحة ودليل رائد للعلاقات بين البلدين في المستقبل حيث يمكن للصين كقوة اقتصادية رائدة في العالم في المستقبل القريب وإيران كقوة عظمى لمنطقة غرب آسيا أن تتحمل ضغط المتنمرين بعلاقات تكميلية مستقلة عن القوى التقليدية التي يسيطر عليها الغرب، ونفى موسوي منح جزر ايرانية او وجود قوات اجنبية ضمن اتفاقية التعاون مع الصين ووصفها بالأوهام والاكاذيب).

من جهته، قال مدير مكتب الرئيس الإيراني (محمود واعظي)، بأن الاتفاقية مع الصين لا تتضمن بنودا ملزمة لإيران، متهما وسائل إعلام أجنبية بمحاولة (تخريب العلاقات الإيرانية الصينية).

كما نفت أمانة المجلس الأعلى للمناطق التجارية الحرة والاقتصادية في إيران، صحة التقارير التي تحدثت عن منح جزيرة كيش الواقعة بالخليج للصين.