Shadow Shadow

(السياسة والأمن) في صلب قرار غسيل الأموال وتمويل الإرهاب

2020.07.09 - 18:02

باسم العوادي

بغداد - ناس 

جاء قرار مفوضية الاتحاد الاوربي في ادراج العراق على القائمة الاوربية لمكافحة غسيل الاموال وتمويل الارهاب صادما وفي وقت حساس جدا للعراق وسيكون له تأثيرات إقتصادية وسياسية ناهيك عن تأثيره المعنوي على سمعة العراق كدولة لا تستطيع محاربة الفساد وعاجزة عن ضبط ايقاع انظمتها المالية والبنكية والضرائبيه والكمركية المتهمة بغسيل الاموال وانعكاسات ذلك على تمويل الارهاب.

هناك مؤسستان عالميتان يتعامل معهما العراق بخصوص غسيل الاموال وتمويل الإرهاب وهما المجموعة العالميّة لفرقة العمل المعنيّة بالإجراءات الماليّة الدوليّة لمحاربة غسيل الاموال وتمويل الارهاب المعروفة بـ (فاتف)، وقد تمكن العراق في ان يرفع اسمه من القائمة خلال عام 2019،  والاخرى هي قائمة مفوضية الاتحاد الاوربي لمكافحة غسيل الاموال وتمويل الإرهاب وعلاقتها الوطيدة بالمؤسسات المالية الدولية مما يكون لقراراتها ربطا مباشرا بمواقف الصندوق والبنك الدوليان تجاه العراق حاليا ومستقبلا.

(الأمن) مربط الفرس

حيث ذكر مكتب مكافحة غسيل الاموال العراقي ان سبب ادراج العراق ضمن القائمة السوداء هو أمني وليس فني، وجاء في نص بيان المكتب (ان استمرار ادراج العراق في قائمة الاتحاد الأوربي لم يكن بسبب تأشير وجود قصور في ملف العراق، وإنما كان تحت ذريعة إن الوضع الأمني في العراق لم يُمكن مفوضية الاتحاد الأوربي من الوقوف على وضع العراق ميدانيا أو التواصل مع العراق بشكل مباشر، ولكون هذا السبب لم يكن سببا فنيا أو مقبولا لاستمرار ادراج العراق في هذه القائمة).

وبخصوص ارتدادات القرار على العراق أكد أن "التوصية الأخيرة للمفوضية الأوربية لم تدخل حيز التنفيذ بعد، وأنها لا تعني منع التعامل مع العراق وإنما تقتصر على تطبيق العناية الواجبة تجاه التعاملات المالية التي تكون المؤسسات العراقية جزءا منها.

وبناء على ذلك يكون قرار المفوضية ذو أبعاد سياسية وأمنية، وهذا ليس بالجديد عالميا فحينما يعترض بيان مكتب مكافحة غسيل الاموال وتمويل الارهاب العراقي على كون السبب أمني وليس فني او مالي، فهو يناقض نفسه بنفسه حيث يفصل بين (الأمن والسياسة والإقتصاد)، ويريد ان يقنع الرأي العام بأن لاعلاقة للأمن في تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، وانه من الممكن عقلا توقع ان دولة ينعدم فيها الأمن كالعراق يمكن ان يوجد فيها مؤسسات بنكية او مالية او استثمارية او ضرائبية قادرة على تحقيق المعايير الدولية المطلوبة في جرائم ماليه دولية وهذا مالم يحصل في اي مكان في العالم، بالرغم من قناعتنا بان المكتب لا يتحمل مسؤولية الامن في العراق التي تؤثر على مسار عمله.

أضف الى ذلك فأن عذر المفوضية الاوربية بعدم المقدرة من الوصول الميداني للعراق هو في جوهر الملف البنكي والمالي ويؤشر الى وجود حالة عدم تعاون او شك من قبل مؤسسات الاتحاد الاوربي المالية باجراءات المؤسسات العراقية المعنية وهذا لايحصل لولا وجود معطيات واضحة لدى المفوضية ودولها واجهزتها الامنية عن خروقات عراقية كبيرة يمكن ان تهدد الامن المالي الأوربي وربما يصل الى تهديدات أمنية لاحقا.

ايضا تظهر الغرابة من تحذير السيد وزير الخارجية في بيانه حول الموضوع من ان مجلس الاتحاد الاوربي اذا لم يلغ قرار المفوضية فأنه سيكون للقرار تأثير اقتصادي واجتماعي ضار على العراق سيوثر على التعاون مع الدول الاعضاء في الاتحاد، و الحال ان القرار يخص بالاساس أمن دول الاتحاد الأوربي ولايخص الوضع العراقي، وأيضا ان فرضية تخويف الاوربيين من تحول العراق الى ساحة فوضى مع مثل هذه القرارات لم تعد مهمة لهم في ظل شكاوى سفراء الاتحاد الاوربي في العراق من سد الابواب في وجوههم بكل مكان ومنها التضييق على وجودهم العسكري وتعرض مراكزهم للتهديد ومطالبتهم بغادرة العراق، وان اتفقنا ضمنا بان السيد وزير الخارجية لا يتحمل مسؤولة هذه الامور.

 وفي الوقت الذي لا تمتلك فيه المجموعتان العالميتان المعنيتان ادوات لتطبيق عقوبات او غرامات على الدول الموضوعة ضمن قوائمها الا انها تمتلك القدرة على (تقييد) النشاط المالي والبنكي بشدة او رفض منح قروض للدول الموضوعة على القائمة للترابط بين مؤسسات الاتحاد الاوربي والمؤسسات العالمية كالصندوق والبنك الدوليان في التعاطي الايجابي مع الدول المعنية.

 

عزلة المعادلات العراقية

لاشك ان العراق قد تعافى جزئيا ما قبل نهاية 2018، وكانت علامة التعافي هي مؤتمر إعادة الاعمار الذي عقد في الكويت والدول والشركات العالمية المستثمرة التي تهافتت على ذلك المؤتمر بصورة خارجه عن التوقع كإشارة الى ان العراق يتعافى ويتقدم خطوة، الا ان المعادلات السياسية التي تنتج الحكومات العراقية لاتراعي طبيعة الترابط الحيوي بين (السياسية والاقتصاد والمال والأمن) هذه الرباعية التي لايمكن ان تنفك ان تنفصل عن بعضها ولايمكن تكوين اي معادلة حكم فاعلة بدون ان تجلس على هذه الأركان الأربعة، في وقت تؤسس فيه معادلات الحكومات في العراق على أساس اعرج لايتعدى التحالفات السياسية لانشاء حكومة تكون بالضد من مرتكزات التطوير المالي والامني والاقتصادي ليس الداخلي فحسب بل تشكل خطورة خارجية وهذا ما حصل في العراق اثناء تشكيل حكومة 2018 ، واذا كان لقرار المفوضية من دلالة فهي دلالة ان البلد في طريق زيادة العزلة الدولية التي تخلفها المعادلات السياسية الخاطئة.  

تآكل (لمبدأ الركود) بين التعافي والإنهيار

لا شك ان قرار المفوضية الأوربية يستبطن في توقيته الحالي جذورا سياسية حيث ان كل قرار عالمي اقتصادي او مالي أصله سياسي، ولا شك ان الاحداث المزعزة لصورة الاستقرار الأمني منذ مطلع 2019 واستمرت الى ما بعد تشكيل حكومة الكاظمي هي أحد الأسباب الرئيسية في قرار المفوضية حيث يعزل العراق يوما بعد يوم عن العالم ويتحول تدريجيا الى نظام مكروه ومعاقب ومحاصر دوليا في وقت تكون فيه الحلول صعبة ومكلفة بل خطيرة حسب مخرجات احداث أمنية متعددة خلال الفترة من مطلع  تشرين الاول الماضي والى الآن.

تعتقد بعض مراكز القرار العراقي بأن الإتحاد الاوربي أو الغرب عموما لايمكن ان يمضي بعيدا في الاضرار بالوضع العراقي الى درجات قاسية تؤدي ربما الى الانهيارالداخلي لان ذلك لايصب في مصلحة استقرار المنطقة او يؤدي بالعراق الى احضان تحالفات اقليمية معادية للغرب، فيما تنظر مراكز قوى وقرار عراقية اخرى الى مصالحها الخاصة وهي لا تريد للعراق ان ينهار ولكنها في نفس الوقت لا تريد للعراق ان يتعافى وان حالة الركود بين التعافي والانهيار هي من تصب في صالح استمرار مصالحها الخاصة، وكل هذه معادلات وقتية تكسب غير العراقيين افضلية لكنها تصعب وتعقد مسألة ايجاد حلول اقتصادية وسياسية وأمنية سريعة، وان بقاء الامر على حاله مستحيل وهذا ما تؤكده الاحداث منذ مطلع تشرين الثاني 2019والى الآن، حيث ان على العراق ان يختار طريقه بوضوح بعد اليوم.