Shadow Shadow

الهاوية والكرة وموت أحمد راضي

2020.06.22 - 17:05

خالد مطلك

خالد مطلك

لدى كل إنسان، وعلى الأرجح لدى كل شاب، ثمة عضلة نفسية ضرورية غير مرئية تهتم لكرة القدم بهذا القدر أو ذاك. وفي كثير من الأحيان، يدفع هذا الشيء الشبحي بالشخص لكي يجرب حظه لاعباً، ثم في أغلب الأحوال يستحيل هذا اللاعب المفترض الى مجرد مشجع، تحكم ردود أفعاله دوافع من العصبية، من بينها الشيء الذي نسميه "الوطنية". 

كان مارتن هايدغر آخر الفلاسفة الكبار في تاريخ الفلسفة، يقصد بيت الجيران ليتابع مباراة فريقه المحلي "هامبورغ" ضد نادي "برشلونة". وهايدغر حينها في نهايات عمره، شيخاً وقوراً مهابا، صارماً لناحية تعلق الأمر بالكينونة والزمن، وهو أهم فلاسفة عصره، ولكنه، وعلى نحو غير متوقع، يخرج عن هذا الوقار ويكسر كوب الشاي أمام مضيفيه بسبب خسارة فريقه الكروي هامبورغ. 

في القطار، يحاول مدير مسرح فرايبورغ أن يستغل وجود الفيلسوف العظيم الشهرة، ليفتح معه حواراً جانبياً - فلسفيا بطبيعة الحال-  لكن الأخير يحدثه عن براعة مواطنه اللاعب الألماني المعروف فرانتس بكنباور، الذي يصفه "بالعبقري". ويبدي اندهاشه من قدرته الأسطورية في السيطرة على الكرة، والتحكم بحركتها المقيدة بقوانين الفيزياء ومزاحمة أقدام الآخرين. 

في طفولته كان مارتن هايدغر لاعب كرة قدم، يشغل الجناح الأيسر لفريق الحي، ولكنه مثل أي فيلسوف عظيم، غيًر مجرى حياته لاحقا،  ليتساءل عن معنى "الوعي" الملقى هناك في الطبيعة، أو عن الكائن وهو مرمي لا على التحديد في وحشة الوجود. 

في أيام شبابه، مرَّ الفيلسوف لودفيغ فتغنشتاين وهو على دراجته في أحد حقول النمسا الشاسعة، على صبيان يلعبون كرة القدم، توقف مهندس الطيران المضطرب مندهشاً، كما لو أنه يشاهد هذه اللعبة لأول مرة في حياته، وقال لنفسه: يبدو أننا في اللغة نلعب بالكلمات مثلما يلعب هؤلاء الصبية الكرة، ومن هنا، وكما تخبرنا القصة، ولد أحد المفهومات المركزية في فلسفته "العاب اللغة".

عندما وضع كتابه الثاني، لم يتذكر فتغنشتاين كرة القدم، بل راح يماثل بين ألعاب اللغة ولعبة الشطرنج. لم تسعفه كرة القدم، كمثال حي لمعنى أن تنشغل اللغة بتفسير قواعد العابها. لأنه ببساطة لا يعرف قوانينها، لجأ الى الشطرنج كمثال عقلاني. بطبعه يحب أن يعاين الوجود القريب من أنفه، ويتلمسه بوعي حاد، متجاوزا  قدرة اللغة التمثيلية للواقع. في مرحلته الأخيرة، تحول عن ذلك كله، وتعامل مع اللغة كأداة استعمال مصممة لتلبية حاجاتنا الإنسانية. 

هايدغر وفتغنشتاين ولدا في عام ١٨٨٩ وعملا على انفراد -ودون قصد ربما- علًى تغيير طريقة رؤيتنا للعالم بشكل لا رجعة فيه. الأول ورطنا في التفكير بمعنى أن نواجه الحياة بموتنا المجرد. أن نتقدم نحو عدمنا أو ننتبه جيدا الى وعينا بوعي هذا العدم. وهذا الانتباه هو الذي يفجر قوانا الأصيلة المنبثقة من ليل الوجود اللانهائي. والثاني كشف لنا عن الروع الذي يخبأه لنا العالم خلف جدار التسمية الموارب.

يحذرنا هايدغر على الدوام من ذلك الحضور المزيف، الذي نخرج فيه من ذواتنا باتجاه عالم السطوح اليومية. وكلما استغرقنا بتدبر أصالتنا، كان وجودنا يستحق المعنى الجوهري لمواجهة قدرنا الاعتباطي. 

معلم العدمية هذا، هو الذي كسر كوب الشاي من أجل مباراة فريقه. وهو الذي خرج عن ذاته تاركاً عبقرية القلق الذي ينبع من اللاشيء، وتشاغل بمتابعة أقدام لاعب شاب يصغره بخمسين عام في الأقل أسمه فرانتس بكنباور. 

كانت مسيرة أحمد راضي، بمثابة تمثيل رمزي باين للعيان لحقل الوجود الذي عاشه جيلي. وكان أحمد هو "العبقري" الخاص بنا، الذي تدهشنا مرونته الجسدية، وهو ينزاع من بين أجساد كثيرة تحتشد من حوله، ثم يسدد نحو الهدف برأسه أو بقدمه. يرفع يده اليمنى ويهرول بكل وسامته الذي تضيئها ابتسامة عفوية مستقلة عن جهازه العصبي المتوتر، يأخذ بنا من ذواتنا غير المؤمنة بأصالة وجودها نحو سطوح من عالم الهيجان الغريزي. 

لم نكن هايدغريين، ولم نتعرف على الوجود والعدم وسؤال الكينونة ونسيان الكائن. كنا سطوح عارية، جاهزة وبريئة، عفوية وصادقة، تنقصها أصالة القلق غير الضروري لأمثالنا، كانت "حياتنا نوعاً من العناية بالهروب". 

هذا اليوم مات أحمد راضي، وقبله بأيام توفيت أمي، كما غيب فيروس كورونا أقرب أصدقاء مراهقتي. انكشفتُ فجأة أمام مصيري أو انكشف مصيري أمامي على نحو مهول. إن كل شيء يتعلق بطفولتي ومراهقتي ومطلع شبابي أخذ يتوارى تماما مثلما توارى أحمد راضي، الذي مارس  غيابه الأبدي بالضبط مثل أمي ومثل صديقي الأقرب. أقول توارى لإنه اندحر ببطء، واشتق طريقه نحو الموت بخطوات متأنية: أعراض، مستشفى، جهاز الاوكسجين ثم خبر الرحلة النهائية. 

على فراش الموت في بيت طبيبه، تكشف مصير فتغنشتاين أمامه، وكتب خواطره الفلسفية الأخيرة، التي أخذت عنوانا غريبا هو "في اليقين" وفيها يقول: إن اللعبة اللغوية شيء لا يمكن التنبؤ به ... -إنها موجودة هناك - مثل حياتنا.

حياتنا إذن، هي العاب لغوية، تحكمها الحوادث الطارئة في الغالب، فنضطر على أن نمنحها سياقات. فمن غير حكم المصادفة السياقية، لا يمكن أن  تموت أمي، ويموت صديقي، ويموت أحمد راضي بنفس السيناريو، وربما بنفس المستشفى، ولست متأكدا فيما إذا كانوا على السرير نفسه. 

رغم الفقدانات المهولة التي صادفتها من قبل، لم أكتب رثاء واحدا، كنت أدير ظهري وأمضي، ربما كنت في ذهول متواصل من قدرة الوجود على ممارسة لعبته في تكرار إلقائي في الطبيعة المزدحمة بالزيف المريح، الذي لم يتذوقه هايدغر، أو الذي لم ينشغل به لودفيغ فتغنشتاين. 

هكذا منزوعا من تاريخي الشخصي، أواجه لامعنى أنْ أكون. المنابع القديمة تجف واحدة تلو الاخرى، وتغيب تدريجيا - وبلا أسف - في اللاوجود. وأمام هجمة الموت المخجلة والدنيئة هذه، وهي تدور حول حياتنا مثل غيمة دبابير مجهرية قاتلة، تشتهي عتمة أيامنا المرة دون حياء، أنصت لنفسي ولا أسمعها. 

لم يكن أحمد رياضي مجرد لاعبٍ "عبقري" نفاخر بمناعته في شوطي المباراة، كان شاهدا على الجزء الأهم من قيمة حضورنا في هذا العالم، بغيابه تستحيل ذكرياتنا الى مقابر من اللغة ملقية هناك في العراء، مثل شاهدة قبره الكئيبة. 

برحيل أحمد راضي استفزُّ دهشتي مرة اخرى، ومن دون دموع، أتأمل غياب امي، لحظاتها الأخيرة في جهاز التنفس، رعبها المزمن من فكرة أن لا ترانا ثانية. أحاول جاهدا إزاحة اللغة عن المشهد، فتنفتح الهاوية في أخطر ملامح ظهورها. أحاول الصراخ لكن الهاوية بلا صوت. وهكذا بدأ "اساس العالم في لحظة، التي  لاشيء فيها يبرز أمامي إلّا على خلفية العدم".

أتأمل الثواني العابرة التي يستدعيها المحتضرون من شريط حياتهم، أفكر مليا على نحو شبه مؤكد أنني مررت بخيال صديقي في الثواني النهائية المعلقة بين موته وحياته، ولكن قانون العدم ذاته سيمنعني عن معرفة أي من صور طفولتنا المشتركة برقت في خاطر هذا الصديق؟!. 

ربما تكون تلك التي قفزنا فيها سوية بعد أدخل لاعبنا الأسطوري الكرة في ملعب الخصم، ربما، حتى أن أمي كانت تعد لنا الشاي في المطبخ، وكانت تقول: اخفضى صوتكما!!