Shadow Shadow

من الإضراب ما لا نبل فيه

2020.06.17 - 15:05

آلان م. نوري

الإضراب من أجل تحسين ظروف العمل والحياة كان ولا يزال من أهم محركات تاريخ الإنسان المعاصر وسلاحا فعالا بيد من لا يملكون سوى قوة عملهم لتأمين لقمة العيش.

لولاه لما سمح اسياد الإقتصاد لهم إلا بالحد الأدنى مما يبق على الحياة و ينتج أجيالا من العمال المعدمين. كل ما هو متاح في العالم المتقدم من حقوق و إنجازات، بضمنها الديمقراطية و تنوعها، إنما هي وليدة الإضرابات و النضالات السياسية لمن "ليس لديهم ما يخسرونه سوى قيودهم".

ولكن هذا لا يعني أن كل المضربين و قادة الحركة النقابية هم دائما ملائكة و قديسون لا يجوز نقدهم. من شاهد فلم "الأيرلندي: 2019 - The Irishman" للمخرج (مارتن سكورسيزي) و تمثيل (روبرت دينيرو) و(آل باجينو)، يعرف ذلك جيدا. الفلم يتحدث عن حياة و موت القائد النقابي الأمريكي الشهير (جيم هوفا) الذي رغم قيادته الفعالة للحركة النقابية الامريكية، كان متعاونا مع المافيا التي كانت تفيد وتستفيد من الإضرابات وتوجهها لمصالحها ...إلى أن كانت نهاية هوفا على يد المافيا ذاتها التي قتلته وأخفت جثته إلى اليوم.

هذا التقارب المريب بين جناح معين من الحركة النقابية و المافيا هو واقع مرير و متجدد في كل بلدان العالم بضمنها البلدان المتقدمة. ولكن لست هنا بصدد الحديث عن تاريخ الحركة النقابية العالمية و أجنحتها المختلفة. فما الغرض إذا؟ عن أي تعاون بين المافيا و الحركة المطلبية نتحدث في اطار العراق و تحديدا إقليم كردستان؟ وهل لا سامح الله توجد مافيات في كردستان؟

رغم استفحال جائحة الكورونا و مخاطره اليومية على حياة المواطنين، ورغم تداعي المؤسسات الصحية المهملة لسنين في العراق و إقليم كردستان، بالرغم من هذا كله يئن القطاع الصحي في مدينة السليمانية من اضراب مستمر لأشهر للأطباء المقيمين في المستشفيات العامة، و يبدو أن عمال الصحة و الممرضين عازمون على اللحاق بهم قريبا في وقت توشك المستشفيات في المدينة على إخراج كافة المرضى غير المصابين بالكورونا استعدادا إلى تحويلها جميعا إلى محاجر لإستقبال الأعداد المتزايدة من المصابين بالكورونا. و المحافظة حاليا تأتي في المرتبة الثالثة في العراق من حيث عدد المصابين والثانية من حيث عدد الوفيات من جراء الإصابة بالكورونا، بعد المنكوبة بغداد.

من المؤسف أن مشروعية مطالب المضربين برواتبهم المتأخرة و عدم اكتراث سلطات الإقليم بحقوق مواطنيه، يحجبان حقيقة مرّة بشأن هذا الإضراب.

 كليات الطب في العراق تتبع نظاما عالميا في تخريج وتأهيل الأطباء. خريجو هذه الكليات لا تنتهي دراستهم مع التخرج، بل يمرون بنظام قاس و متطلب، لا يكتمل تعليمهم وتأهيلهم بدونه، يسمى بنظام الإقامة، بعد التخرج مباشرة. يجبر نظام الإقامة طالب الطب المتخرج حديثا على الإقامة ليل نهار داخل المستشفيات، و التعامل اليومي مع المرضى وعمال الصحة والممرضين. يُشبّه الأطباء المقيمون، ليس في العراق وحده، هذه المرحلة من حياتهم المهنية بالعبودية، إذ يُتوقع منهم العمل ليل نهار مقابل ما يسد رمقهم فقط، فيحصلون مقابل ذلك على التدريب العملي تحت إشراف الأطباء المختصين، و يكتسبون من خلال التفاعل خبرة عن أخلاقيات العمل و معارف عملية ما كان ممكنا الحصول عليها على مقاعد الدراسة. معايشة آلام المرضى و صراعهم اليومي مع الموت هي ما يتعلمها الطبيب المتخرج فلا يُعطى لقب طبيب ممارس ولا يتاح له مواصلة التحصيل الا بعد أن يكمل هذا التدريب الشاق بنجاح.

من المؤسف ان هذا النظام الأساسي في تعليم و تدريب الأطباء المقيمين صار ضحية إضرابهم. الواقع هو أن المستشفيات العامة في السليمانية قد اخليت ومنذ امد من الأطباء المقيمين. فقد قاطعوا مهامهم في المستشفيات العامة، ولكنهم باتوا يمارسون الطب، بدون إشراف، كما لو كانوا مؤهلين لذلك، في المستشفيات الأهلية. يضربون عن الدوام هنا و يداومون بغير حق هناك! ذكر لي طبيب مختص بألم أنه تلقى مكالمة هاتفية في الثانية صباحا، من طبيب متدرب، يُفترض به الدوام في المستشفى العام تحت إشرافه، لكنه يعمل طبيبا في مستشفى اهلية، و قال له: “سأرسل لك مريضا لا يتوفر عندنا علاج له، لتدخله إلى ردهتك في المستشفى العام. إعمل له الطبلة اللازمة و اعمل له الإجراءات التالية!” وهذا حوار كان يفترض أن يكون معكوسا 100% بين الطبيبين.

قبل أن يُساء فهم هذا المقال و يُعتبر تهجما على الأطباء الذين يُفترض بهم أن يكونوا تحت التدريب، لابد أن نسأل: لماذا يُسمح لأطباء تحت التدريب، الذين يفترض بهم العمل في المستشفيات العامة كجزء من متطلبات تعليمهم، يُسمح لهم، قبل سداد الدين في عنقهم تجاه المستشفيات العامة، بالعمل في المستشفيات الأهلية؟ هناك ثلاثة أجوبة لهذا السؤال تتنافس فيما بينها على قض مضاجع من يهتمون بالمواطنين و الوطن:

أولا: حكومة الفشل الشامل في إقليم كردستان و أجهزتها الإدارية و الصحية، باتت تقبل بأي حل يخفف من مطالب القطاعات المختلفة لحل ـ"مشكلة" إختفاء الرواتب. فإن كان عمل الأطباء تحت التدريب في المستشفيات الأهلية يؤمن لهم دخلا، يخفف من احتجاجهم و "دوخة رأس"هم، فلم لا؟… وماذا لو أدى ذلك الى انهيار نظام تعليم الأطباء المعتمد في العالم؟ لن يكون أول شيء ينهار و لا آخر شيئ. المهم هو راحة البال. و في مجال تفضيل راحة البال لا يختلفون عن إخوانهم المتسيدين على مصائر الناس في العراق. فلا فرق بين عربي و أعجمي هنا، إلا بمقدار اعتنائهم براحتهم هم!

ثانيا: الذين يتحكمون بمصائر الناس في الإقليم لا يخفون تذمرهم من عبئ تكاليف الصحة العامة على ميزانية الحكومة، ولا يرون أن من حق المواطن الفقير في هذا البلد أن يقدر على مصاريف الاعتناء بصحته. إنهم يريدون موتا بطيئا صامتا للقطاع الصحي الحكومي ليرموا بالصحة كاملا في احضان القطاع الخاص. أما من لا يقدر على مصاريف العلاج والعناية الصحية في القطاع الخاص فعليه إنتظار الموت بصمت كي لا يزعج آلهة "آليات عمل السوق الحرة". وهنا أيضا التشابه بين سادة الإقليم و باقي انحاء العراق هو كحال التفاحة المقسومة نصفين بالعدل و القسطاس.

ثالثا: أغلب المستشفيات الأهلية هي ملك لأولاد وبنات المسؤولين. بقاء المستشفيات الحكومية هو عائق أمام "مكنونهم الإبداعي". لذلك، فإن الموت البطيء للمستشفيات الحكومية ليس مجرد جهل أو اهمال من ساداتنا، وفيهم من ذلك كثير، بل هو أيضا ضمان لإنتعاش مشاريع أعمال اولادهم و بناتهم. يشاركهم في "حب الأبناء" هذا جميع المتسيدين علينا في العراق كافة.

بناءا على ما سبق، أخاطب أبناءنا الأطباء المتدربين و أقول لهم أن ما كتبت ليس للتشهير بكم، بل هو دعوة للفصل بين الإضراب و الأضراب الزائف. إنه عدم قبول بتخريب المقاييس النوعية لواحدة من أهم و أعقد المهن، تحت مسمى الحق في الرواتب. المجتمع بأكمله مطالب بمواجهة جائحة الكورونا و حماية بعضنا البعض منه. لذلك فما كتبت هو دعوة لعدم التخلي عن النظام الصحي العام ونحن في أحوج الأوقات إليه الآن و في ما هي قادمة من أيام ستمتحن آدميتنا جميعا.

الذين يحكموننا لا يأبهون و لا يستحون. عليكم أنتم أن يكون إضرابكم مدروسا بشكل يسانده الناس، لا جهدا لإستحصال رواتب هنا وهناك بلا حق. لا تدعوا إضرابكم يمنع الخدمات الصحية الحيوية عن الناس. ضمان معاشكم وحماية القطاع الصحي العام و المطالبة بإصلاحه هي واجبنا جميعاـ ولكن إكسبوا إحترامنا بتفانيكم، اولا.