Shadow Shadow

انتفاضة تشرين.. وجواب المستقبل والاستثمار السياسي المعلق

2020.05.25 - 19:50

ياسين البكري

ياسين البكري

حساب البيدر فاق المتوقع بين لحظة إنتفاضة تشرين ومآلات الوضع العراقي الراهن، لكن للقصة بقية بين إستثمار عقلاني وقراءة الصورة بتفاصيلها وبين رعونة قد تطيح بالجميع.
يصعب تفسير الحركات الإجتماعية الكبرى ودورها في صناعة تاريخ الأمم فهي شبكة معقدة من العوامل التي تجتمع في الزمكان لتنتج فروقات كبرى يصح معها التفريق بين ما قبل وما بعد.
يصح هذا المأزرق بحثياً مع إحتجاجات تشرين في العراق، فنظرية (البطل في التاريخ) كانت قاصرة عن تفسير ما جرى ومألاته، فالإندفاعات الشبابية كانت تفتقد لقائد سوى طموحاتها وغضبها على فقدان الدولة، بل الأكثر كانت حركة الإحتجاج ترفض طرح قيادة تمثل الإحتجاج والحديث باسمها، وتوزعت منابر المطالب على أكثر من محافظة وتنسيقية ولم يصمد أي أسم مهما كان دوره كممثل أو قائد لها، ومتى ما حانت الفرصة لطرح قائد كان يُسقط من الساحات نفسها قبل أن تشتغل ابواق السلطة في محاولات تسقيطه.
ومن جانب أخر لم تفلح كل نظريات الشيطنة في صياغة قصة سلطوية متماسكة عن مؤامرة تخطط لإسقاط تجربة ما بعد 2003، بكل ما عليها وما لها.
الأهم من التفسير ما تحقق حتى اللحظة واعتباره نقطة تحول يجب مسكها والبناء عليها، فمع بداية إنتفاضة تشرين وطريقة تعاطي الشارع العراقي المتفاعل مع الحدث والمتفائل به أشر لحد فاصل بين قبل تشرين وما بعده، وقد يصح معه القول (نقطة راس سطر)، فعجلة التاريخ دارت وغيرت ملامح المشهد السياسي العراقي ومعادلاته وكتب سطر جديد.
بكل تأكيد كان للتصعيد الامريكي الإيراني بفصوله الدراماتيكية السريعة الذي مثلت قمته حادثة المطار والرد بقصف قاعدة عين الأسد، وصولاً لمرحلة شبه الهدنة الامريكية الإيرانية، وتراخي قبضة إيران على العراق بسبب الصعوبات الإيرانية الداخلية على وقع العقوبات الإقتصادية وجائحة كورونا وقبولها بالتعامل مع الوضع العراقي عبر قنوات الدولة الرسمية، بكل تأكيد كان لها دور في دفع معادلة التغير العراقية لمرحلة جديدة غير إنها تبقى أدور تابعة لفاعل أساس ورئيس مثلته الطاقة الإحتجاجية الشبابية العراقية وما بلورته من وعي عراقي بأن الوقت حان ليكون العراق سيد نفسه دون تدخلات الكواليس الإيرانية الأمريكية.
مثل وصول مصطفى الكاظمي المتهم من بعض الجماعات بمقتل سليماني والمهندس لرئاسة الوزرء أحد فروقات المعادلة الجديدة ، فقبل تشرين لم يتوقع أحد ان قوى الشباب يمكن أن تجبر الطبقة السياسية عن التخلي الجزئي لمواقعها ويٌجبر سياسي من الخط الأول (عبد المهدي)على الإستقالة، ولم يتوقع أحد ان سياسي من الجيل الثاني ولا يملك حزباً يمكن أن يصبح رئيساً لوزرء العراق.
النتائج التي وصل لها المشهد العراقي زادت من الأسئلة، ولكن السؤال الأهم الأن هو من سيستثمرفي المعادلة الشبابية العراقية الجديدة لاجل عراق معافى؟، وهو ما يتطلب فهم خارطة التظاهرات المتوقعة بعد نهاية الحجر الصحي وكيفية التعامل معها


تنقسم قوى التظاهر الى تيارين تشرينيين وتيار ثالث ظهر بعد تشكيل حكومة الكاظمي وسيتبلور لاحقاً :

1- الأول تيار ثوري يرغب في قلع كل تجربة ما بعد 2003، من جذورها بعد فقدانه الثقة بالطبقة السياسية وظروف بناء التجربة، وهو تيار خطر مع فهم مبرراته في رفع شعار الثورة، وهذا التيار يحتاج للإحتواء العملي في تقديم إنجاز ملموس يعيد له الثقة بالعملية السياسية وقدرتها على تحقيق فارق مهم، و قد يكون ضرب معاقل الفساد ورموزه وإعادة هيبة الدولة من خلال منع السلاح الخارج عنها في تهديد الدولة أولاً والمواطن ثانياً والإنتخابات ثالثاً أهم إجراءات إعادة الثقة.

2- التيار الثاني وهو تيار يؤمن بالإصلاح من داخل النظام وبآلياته في تداول السلطة وعبر مساحة الحرية المتاحة في الإحتجاج والتظاهر لتعديل إنحرافات السلطة ووقف غلوها، وعبر الإنتخابات بعد تحقيق ضمانات كفيلة بعدم تزويرها لصالح الطبقة الفاسدة.يشكل هذا التيار الضمانة الكبيرة في تدرج بناء الدولة ومراكمة تجربتها دون مغامرات حرق المراحل والقطع مع ما قبل، وبعيداً عن راكبي التظاهرات الجدد.

3- التيار الثالث سيمثله راكبوا التظاهرات الجدد من قوى سياسية لم يرق لها التحولات التي أحدثتها إنتفاضة تشرين وفشل آلياتهم من شيطنة وتخوين وتخويف وقمع، في وقف مسار الروح العراقية الجديدة الراغبة في إستعادة الدولة من خاطفيها، هذا التيار الذي كشف عن نفسه في أول يوم من إستلام الكاظمي رئاسة الوزراء في بروفة لافتة سيقوم لاحقاً باستخدام آليات التظاهر ومساحة الحرية التي إستخدمت ضدهم، وهذا بحد ذاته تطور إيجابي مهم يجب أن يُدعم لا أن يُخشى منه كثيراً أو يجرم، فحرية التظاهر يجب أن تكون مفتوحة وتكفل لجميع الأطراف باشتراط السلمية، ويجب أن يفسح المجال لهم كاملاً في تجربة ما لم يؤمنوا به سابقاً.

تحول قوى السلطة التي خسرت مواقعها أو جزء من نفوذها لقوى إحتجاج جديدة ومعارضة سلمية مكسب كبير لتراكم تجربة تبادل الأدوار واقتناع متدرج بان السلطة ليست ملك لطرف على حساب الأطراف الأخرى، وإن ما خسرته اليوم قد تكسبه غداً عبر آليات الديمقراطية وصناديق الإقتراع وإقناع الجمهور وليس بالقمع واحتكار المواقع بقوة السلاح المنفلت.
الدرس الذي يجب أن يكون حاضراً عند الجميع والأهم عند الحكومة، إن الإحتجاجات لن تتوقف في المشهد العراقي القادم، ومع التحديات الكبرى التي تواجه حكومة الكاظمي عليها أن تتوجه للإحتجاجات وقواها بالاحتواء وتجسير الفجوة وتقديم المنجز المقنع لتذليل المصاعب وعبور مرحلة الحافة الحرجة.

الحافات الحرجة ليست بالضرورة لحظات سقوط حتمي، لكنها قد تكون نقطة تآني وإعادة حسابات وعقلنة فوضى التهور ولجم الشعور بالفوز الكامل أو إنجراحات الخسارة المميتة في لحظة عراقية مؤلمة لكنها تحمل بين طياتها وعد بعراق مختلف ولعبة ما عادت تمنح الكثير من الفرص الكبرى لكنها قد تمنح مع كل التباسات الأسئلة العراقية الصراعية نقطة عبور وتأسيس بين ضياع الدولة وضياع الكل في المجهول، أو الإتفاق والإستثمار في المستقبل.
الحافة العراقية الحرجة تتوفر على فرصة تاريخية صنعها شباب التظاهرات ورسموا ملامح يد واصابع قد تُوقف السقوط المدوي.
اللحظة الراهنة لحظة فارقة، فرصة للقادم كتب صفحتها الأولى وأسئلة وجودية الدولة من عدمها شباب تشرين ووعيهم، وعلى الحكومة اليوم والقوى السياسية وشباب التظاهرات أنفسهم كتابة الإجابة بين أن نكون أو لا نكون.