Shadow Shadow
حرقة القلب

أحمد سعداوي

روائي عراقي، وكاتب وصحفي، حائز على جائزة البوكر عن روايته فرانكشتاين في بغداد .

حرقة القلب

2020.03.03 - 12:28

أحمد سعداوي

أحمد سعداوي

أول قصّة "للبالغين" ناضجة فنياً كتبتها كانت في مطلع التسعينيات. أما أول قصّة كتبتها في حياتي كلها فكانت في 1981 أو 82 عندما كنت في الصف الثاني الابتدائي.

 

سنوات طويلة من الكتابة ولكن داخل "مجّرة الكتابة"، حيث الخيال يولّد نفسه من نفسه، ومن أنساق القصص المشابهة التي قرأتها وسمعتها و"شاهدتها" في السينما أو التلفزيون وبرامج الاطفال والرسوم المتحرّكة.

ولكن كل ذلك كان في عالمٍ موازٍ، ليس له صلة بعالمي ومفردات الحياة من حولي. كان التعبير عن أحداث وشخصيات منتزعة من الخيال أكثر يسراً من انتزاع الأحداث والشخصيات من الواقع، لأنني بالأساس كنت طفلاً، بالأضافة الى أسباب أخرى منها ما له علاقة بسياق الثقافة العام الذي كان يبتعد عن "تصوير الواقع" أو الاشتباك معه، بسبب ضغط السلطة الاستبدادية وخطابها الاحادي.

"حرقة القلب" هو عنوان القصّة التي كانت حدثاً كبيراً بالنسبة لي، فقد انهدم حاجز ما بين عالمين؛ عالم الواقع الفعلي الذي أراه وأعايش تفاصيله، وعالم الخيال الشعري الذي تمرّست على وسائل التعبير عنه طويلاً.

لقد نجحت أخيراً في تحويل التراب والغبار والدخان الأسود الخانق الذي تسفّه حافلات النقل العتيقة ذات الطابقين بعد انطلاقها بركابها من أمام منزلي في قطاع 35 بمدينة الثورة الى شيء شعري. صارت بين يديّ "ماكنة التقاط الشعر من الواقع" أخيراً: الزهور في ثوب صاحبة الدكّان المصنوع من قماش "البازة" المشابهة لزهور الستارة الطويلة التي تفصل البيت عن الشارع.

الوعل الجبسي ذو القرون المعلّق على جدار صالة بيت الجيران، وكنت أحسبه من سنوات وعلاً حقيقياً حتى تعارك أب الجيران مع أبنائه وكسر بالمنفضة سهواً قرن هذا الوعل فبان بياض الجبس وانهدمت واقعية نظرات الوعل الحزينة. لم أكن أفكّر بالنشر حينها، كنت فقط أريد أن أرى كلمات قصّتي مطبوعة. ذهبت الى مكتب للطباعة على الآلة الكاتبة في باب المعظم، وظلت الفتاة الطابعية تضرب على المفاتيح راصفة كلماتي بخط مستقيم، ثم تتوقّف بين برهة وأخرى لتعلّق على هذه القصّة التي لم تفهم منها شيئاً.

كنت أريد منها أن تقوم بعملها وتصمت، وتعفيني من تعليقاتها "الأبوية"، التي يحفّزها عند هذه البنت صغر سنّي بالمقارنة معها. اكتملت القصّة في أربع صفحات مطبوعة على الآلة الكاتبة، وبدا لي وأنا أقلب لمئات المرّأت أوراق هذه القصّة بأنها أكملت رحلتها من خيالي مروراً بالواقع وانتهاءً الى هذه الكلمات المرصوفة بصرامة وحدّة وانتظام عمومي مجرّد من السمات الشخصية كما هو الخطّ اليدوي.

ما زلت أحتفظ بالأوراق المطبوعة لهذه القصّة في مكان ما من كراكيبي في بيت العائلة، ولم أنشرها أبداً، فهي اكتملت وأدت مهمتها حين تحوّلت الى كلمات مطبوعة في ذلك النهار، بحال يذكّرني بعنوان رواية غاو إكسينغيان الروائي الفرنسي الصيني حائز نوبل "كتاب مقدّس لرجل واحد". فهي ليست للآخرين، أو كتبت لأغراض أعقد من مجرّد ارسالها للآخرين كي يقرأونها.